الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٦٨ - ٣ - يدل الحديث على أن الرسول صلى الله عليه و سلم قد يخالف قضاؤه الواقع
فإن انضم إلى ذلك استخدام القوة الخطابية، و المواهب النفسية في إظهار الحق في معرض الباطل. و رسم الباطل في مظهر الحق كان الإثم أشد، و الجرم أكبر أما أن تستخدم البلاغة، و قوة العارضة في نصرة الحق و إزهاق الباطل، في عبارة سياجها الأدب. منزهة عن التشهير بالخصم و الثلم للعرض فذلك ما لا حرج عليك فيه. بل لك من اللّه أجر الدفاع، و ثواب الإقناع.
و إذا كان قضاء الحاكم بالباطل لا يحل حراما، و لا يحرم حلالا فبأي وجه يستحل المحامون أجر الدفاع عن الباطل إذا وقفوا على الحقيقة قبل التوكيل أو في أثناء المرافعة. ليعلموا أن الحياة الدنيا متاع، و أن ما عند اللّه خير و أبقى، و أنه لا يبقى على الحرام ملك، و لا يضيع عند اللّه حريص على حق.
٢- من ادّعى حقا أمام القاضي، و عجز عن إثباته
، و طلب يمين المدعي عليه فحلف، فبرّأه القاضي، و هو في الحقيقة مدين- لم يبرأ عند اللّه و لم يحل له بذلك حق أخيه. فلو تمكن المدعي من إثبات دعواه بعد وجب على القاضي الاستماع لبينته. و نقض الحكم الأول، فإن الحق قديم و الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، و كذلك لو ادّعى إنسان على آخر مالا، أو ادعى زوجية امرأة لم ترض به زوجا، أو ادّعى على رجل تطليقه لزوجته؛ و أقام البينة على ذلك، و كانت في الظاهر بينة عادلة، فحكم بها القاضي، و هي في الواقع كاذبة مزورة؛ لم يحل له المال، و لم يكن له حقوق الأزواج، و لم تحرم المدعي طلاقها على زوجها بل المدعي مؤاخذ بعلمه و معاقب على كذبه، و لا يرفع عنه حكم القاضي الذي أداه إليه اجتهاده.
٣- يدل الحديث على أن الرسول صلى اللّه عليه و سلم قد يخالف قضاؤه الواقع
، و ليس ذلك بمناف لمقام النبوة، و مبدأ العصمة. فإن ذلك في المبادىء التشريعية؛ و الأحكام الدينية، التي هي قانون عام للناس يرجعون إليه في كل العصور؛ فهذه لا يخطىء فيها؛ و إن أخطأ- بأبي هو و أمي- على رأي من يرى له الاجتهاد في سن الأحكام الشرعية نزل عليه وحي اللّه بالصواب، إذ هو أسوة للناس و قدوة، فلا يقرّ على الأخطاء، و إن كانت من غير قصد، أما الأحكام القضائية فقد يكون فيها الخطأ، لا في مبادئها، و لكن في طرقها فقد يحكم ببينة يراها عادلة و الواقع أنها فاسقة؛ و قد