الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٩ - الشرح
و خلف الوعود أو نقض العهود و الغدر بها باب من أبواب الكذب، و قد رتب اللّه عليه نفاق القلوب في قوله: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ[١] و خلف الوعد تضييع للثقة، و سرقة من وقت الموعود، و إخلال بنظام حياته و أعماله، و كل هذه يفقد بها الإنسان من مكاسب الحياة ربحا عظيما، و كذلك نقض العهد، و خلف الوعد يكون جريمة كبرى إذا كان العزم عليه مقارنا للوعد فإذا كان عازما على الوفاء ساعة وعد و لكن عرض له ما حال دون الوفاء، لم يكن من أهل النفاق، فإن كان الوفاء في إمكانه و تركه فعليه إثم الإخلاف و إن كان قبل عازما على الوفاء.
و أما الفجور في المخاصمة و عدم الوقوف عند الحق: فذلك وزر كبير يجر إلى أوزار كثيرة، و مفاسد عظيمة.
فالفاجر في الخصومة ينكر حق صاحبه و يستحل ماله و عرضه، و لا يترك بابا من أبواب الإضرار به إلا اقتحمه، و لو أضاع في سبيل ذلك المال الكثير، بل و لو شغله ذلك عن القيام بواجباته و أنت جد عليم بما يكون بين أرباب القضايا و بين الحزبين من بلد واحد، و بين الأحزاب السياسية و غيرها، فالفجور في الخصومة داء و بيل، يقطع الأواصر[٢] و ينشر الجرائم، و يفتك بالأخلاق، فلا جرم إن كان آية الآيات في النفاق.
هذا و قد ذكر النووي أن جماعة من العلماء عدّوا هذا الحديث مشكلا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره، و قد أجيب عن ذلك بأن المتصف بهذه الخصال كالمنافق في التخلق بأخلاقه لا أنه منافق حقيقة، و هذا الجواب مبني على أن المراد بالنفاق في الحديث النفاق في الإيمان، و هذا الجواب مردود بقوله في الحديث: «كان منافقا خالصا»، و أجيب أيضا بأن الظاهر غير مراد و إنما الغرض من ذلك المبالغة في التحذير، و التنفير من هذه الخصال بأبشع الطرق.
و ارتضى القرطبي أن المراد بالنفاق هنا نفاق العمل، و يرى آخرون أنه نفاق في الإيمان، و المراد بمن وجدت فيه هذه الخصال: من تعودها و صارت له ديدنا و خلقا،
[١] - سورة التوبة، الآية: ٧٧.
[٢] - الأواصر: الصلة و القرابة.