الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٣٩ - و ثالث الثلاثة رجل يغش المسلمين بامتهان اسم الله المقدس
و النصح لهم في اختيار إمام عادل، و يقوم على دين اللّه بالحفظ، و على ملكه بالعدل، يقيم حدود اللّه، و يقدس الحق، يأمر بالمعروف و ينهي عن المنكر. و يتفقد المصالح العامة- مصلحتهم في تخير الإمام العادل- في سوق مصالحه الخاصة. فطلب الحظ لنفسه في غش الرعية. و أراد الطعام الدسم، في سم زعاف قدمه للبرية و من هذا الوادي الأشخاص الذين ينتسبون لحزب خاص لا لنصرة مبادئه. و العمل تحت لوائه و طلب الخير للأمة من طريقه، بل لمارب شخصية، إن نالوها شكروا له، و إن منعوها انتقضوا عليه. و سلقوه بألسنة حداد و رموه بكل منكر و زور.
أولئك لا خلاق لهم في الآخرة و أولئك الذين في قلوبهم مرض.
و ثالث الثلاثة: رجل يغش المسلمين بامتهان اسم اللّه المقدس
، و الحلف به زورا. لينال عرضا زائلا، و ربحا كاسدا، و ما هو بنائله. فيعرض سلعته وقت قيام السوق، و الظاهر أنها كانت تقام إذ ذاك بعد العصر. أو خص هذا الوقت بالذكر لقرب العهد بالصلاة فكان الظاهر أن يرعوي[١] بها عن الكذب و لكن لم يرعوا. فكانت جريمته عند اللّه أشد و كأنه الرسول صلى اللّه عليه و سلم قال:- بعد الصلاة- و يقيمها بالأيمان المغلظة، و يروجها بالعبارات الكاذبة، فيقول لرواد التجارة: و اللّه الذي لا إله غيره لقد قدرت هذه السلعة و دفع لي خمسة و عشرون أو ستة و عشرون أو ... و ما قبلت، يريد بذلك ترغيب المشتري في الأخذ بأزيد مما قال، فصدقه رجل في يمينه التي أكدها أشد التأكيد، و أخذها منه بما قال، أو بما زاد. و الواقع أنها لم تقدر بذلك و لم يعط بها الثمن الذي ذكر، بل كذب على أخيه و غشه في الثمن و استهزأ باللّه إذ اتخذ اسمه وسيلة للكذب، و التلبيس على الناس.
ثم قرأ صلى اللّه عليه و سلم قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا[٢] الآية ليؤكد قوله، و يزيد النفوس إيمانا به و تصديقا له. و واضح دخول المبايعة في عهد اللّه. و دخول ترويج السلعة بالحلف الكذب في الأيمان. بل هما داخلان تحت العهد و الأيمان إذ الأكثر في العهد أن يقرن باليمين. و الأيمان تقال للعهود أيضا. و أما دخول من منع الماء وارديه فغير واضح. فالظاهر أن الاستشهاد بالآية على الأخيرين.
[١] - يرعوي: يكف و يبتعد.
[٢] - سورة آل عمران، الآية: ٧٧.