الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٠٣ - ٢ - و أمرهما بالتبشير؛ و نهاهما عن التنفير
وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[١]، فلا يجشمهم[٢] صعبا، و لا يكلفهم عسرا، يتأذون به، أو تتململ منه نفوسهم، فإذا صلّى بهم إماما لا يطيل في صلاته، بل يخفف كتخفيف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فإن فيهم المريض و الضعيف و ذا الحاجة.
و إذا خاطبه بعضهم بعبارات جافة، لكنها فطرية لا يتغير منها، و في جباية الزكاة يأخذ منهم ما يسهل على نفوسهم، دون ما يشق عليها، من غير تقصير في حق، و إذا أراد نهيهم عن قبيح، و إقلاعهم عن باطل سلك بهم في الزجر سبيلا سهلا، خاليا من الغلظة في القول، و القسوة في الموعظة، كالذي فعله رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لما بال أعرابي في المسجد، و ثار إليه الناس ليوقعوا به فقال لهم الرسول صلى اللّه عليه و سلم: «دعوه و أهريقوا على بوله ذنوبا من ماء، أو سجلا من ماء»- الذنوب و السجل الدلو- «فإنما بعثتم ميسرين، و لم تبعثوا معسرين»[٣].
و كما تيسر على الناس في معاملتهم، و نهيهم و زجرهم؛ كذلك تيسر على النفس، فلا تكثر عليها من الطاعات حتى تسأمها و تملها، و لا تشق عليها في أداء الواجبات إذا أمكن القيام بها في يسر، فالذي يشق عليه القيام في الصلاة يتركه إلى القعود. أو يشق عليه الصوم لمرضه أو سفره أو كبره يتركه إلى الإفطار، أو يصعب عليه التوضؤ بالماء في البرد القارس و لم يتيسر له الماء الساخن يستبدل به التيمم، و هكذا يرفق بنفسه و لا يعسر عليها حتى تخرج عن أمره. و من فهم التيسير عرف التعسير.
و إنما نهى الرسول صلى اللّه عليه و سلم عن التعسير بعد أمره بالتيسير مع أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده تقوية و تأكيدا؛ حتى لا يبقى لمتنطع[٤] علة يعتل بها لتنطعه. على أنه لو اقتصر على «يسروا» لتحقق الإمتثال بالتيسير مرة. و إن عسر مرارا. فلما قرنه بالنهي عن التعسير. و النهي يقتضي الكف عن الفعل دائما فهمنا المداومة على التيسير.
و كذلك يقال في الأمر و النهي الآخيرين.
٢- و أمرهما بالتبشير؛ و نهاهما عن التنفير.
فتبدأ الناس بالأخبار السّارّة
[١] - سورة الحج، الآية: ٧٨.
[٢] - يجشمهم: جشم الأمر جشما: تكلّفه على مشقة.
[٣] - رواه البخاري في كتاب: الأدب، باب: قول النبي صلى اللّه عليه و سلم« يسرا و لا تعسرا»( ٦١٢٨).
[٤] - متنطع: تنطع في كلامه: تشدّق و غالى.