الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٢٨ - الشرح
٥٢- باب: مداراة الأشرار
عن عائشة أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «إنّ شرّ النّاس عند اللّه منزلة يوم القيامة من تركه أو ودعه النّاس اتّقاء شرّه». [رواه البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي[١]].
اللغة:
ودعه: تركه، و قد ذكر بعض النحاة أن العرب أماتوا مصدر يدع و ماضيه، و قد جاء الماضي في هذا الحديث عن الرسول صلى اللّه عليه و سلم و لكن شكلا لا جزما و جاء المصدر في قوله صلى اللّه عليه و سلم: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات»، و الصحيح أن ذلك جائز و لكنه استعمال نادر.
الشرح:
الناس في الآخرة منازل. كما كانت أعمالهم في الدّنيا منازل وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا[٢]، فأحسن الناس عملا أعلاهم درجة و أرفعهم منزلة.
و أسوؤهم عملا أدناهم درجة، و أحطّهم[٣] منزلة.
و بين هذين درجات متفاوتة و منازل مختلفة بحسب اختلاف الأعمال و تفاوتها.
و في هذا الحديث بين الرسول صلى اللّه عليه و سلم أن شر الناس منزلة يوم القيامة من تركه الناس و وادعوه و فارقوه و سالموه لا لأنه لا خير فيه و لا منفعة ترجى من ورائه. بل اتقاء شره و حذر ضره و بغيه، فهم لا يأمنون إذا كاشفوه بحاله، أو نصحوه ليرعوي عن ظلمه أو جالسوه و خالطوه أو قابلوا سيئه بالسيئة. لا يأمنون أن يرميهم بالمقذعات[٤] و يدبر لهم المكيدات التي تضرهم في نفوسهم أو أعراضهم و أموالهم أو مناصبهم و مراكزهم، فهو أفاك[٥] أثيم، مجرم شرير؛ لا يتحامى[٦] منكرا، و لا يجافي مأثما،
[١] - رواه البخاري في كتاب: الأدب، باب: لم يكن النبي صلى اللّه عليه و سلم فاحشا و لا متفاحشا( ٦٠٣٢).
و رواه مسلم في كتاب: البر و الصلة، باب: مداراة من يتقي فحشه( ٦٥٣٩).
و رواه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في حسن العشرة( ٤٧٩١).
و رواه الترمذي في كتاب: البر و الصلة، باب: ما جاء في المداراة( ١٩٩٦).
[٢] - سورة الأحقاف، الآية: ١٩.
[٣] - أحطّهم: أحقرهم و أصغرهم.
[٤] - المقذعات: الشتائم المستقبحة.
[٥] - أفّاك: أفك فلان: كذب و افترى و خدع.
[٦] - يتحامى: يتجنب.