الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٢٣ - أولها و ثانيها - الهم و الحزن
صلاة، و شأن المسلم الجد و العمل لا الضعف و الكسل، و المساجد ليست بيوتا للسكنى و لكن للذكر و العبادة في أوقاتها.
فسأله عما أقعده في المسجد، فأجابه بأن ديونا لزمته، و هموما أحاطت به جعلته يترك الناس و يأتي المسجد في غير وقت صلاة، فعرض عليه الرسول صلى اللّه عليه و سلم أن يعلمه كلمات إذا قالها في الصباح و في المساء زالت همومه و أحزانه، و قضيت ديونه التي شغله التفكير فيها فنغص[١] عيشه و أقض[٢] مضجعه و أذهب عن نفسه انشراحها و سرورها فقال: يا رسول اللّه أحب أن تعلمني هذه الكلمات فعلمه الرسول أن يتعوذ باللّه من ثمانية أمور:
أولها و ثانيها- الهم و الحزن:
أما الهم و القلق فإنه يكون في الأمور المهمة المقبلة التي يرجو الإنسان حصولها أو يخاف شر وقوعها كطالب في مدرسة شغل الهم قلبه و ملك منافذه بسبب إقباله على امتحان ينال به الإجازة، فتراه في شغل دائم و تفكير مستمر في صعوبة الامتحان و أحوال الناجحين و الراسبين. و ما يؤول إليه أمره لو قدر له الرسول، أو بماذا يشتغل لو كان من الفائزين، و هكذا يضيع وقته في غير فائدة بدلا من أن يجدّ في دروسه و يحصل علومه و يستعد لما هو مقدم عليه و يدع النتائج للّه وحده و هو معتقد أن اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا.
و كصاحب خصومة مطروح أمرها أمام القضاء تراه مهموما من نتيجتها يخاف أن يحكم عليه فيها لخصمه فيطلق للتفكير العنان، و لا يكتم اضطرابه و قلقه عن الناس و يقصر فيما يجب عليه و يتقاعد عن العمل الذي يقيه شر القضاء، و كان أولى به أن يفكر في توكيل من يحسن الدفاع عنه بالحق و المحافظة عليه و إعداد البراهين و البينات التي تغلب حقه على باطل خصمه، كما يعد العدة حتى إذا حكم عليه ما يخفف وقعه و يذيب ألمه، لا أن يترك لخصمه كل فرصة يتمكن بها منه و يحوك له الحبائل[٣] و المكائد[٤] للإيقاع به لأن ذلك ليس من شأن المسلم، و قل مثل ذلك في سائر الناس الذين لهم آمال شغلوا بالكلام فيها و التحدث عنها عن العمل لنيلها و الجد في سبيلها
[١] - فنغص: كدّ عيشه.
[٢] - أقضّ: لم ينم و لم يطمئن به النوم.
[٣] - الحبائل: المصائب.
[٤] - المكائد: المكيدة: الخديعة.