الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٠٩ - الشرح
جماعتها، لا تربطه بهم صلة، و لا تجمعهم به جامعة، و تجلس في ركوب[١] عام قطار أو سفينة أو ترام أو سيارة، أو في مجلس من المجالس فترى نفسك منجذبة إلى بعض الحاضرين. نافرة من آخرين. و ربما لم يكن قبل هذا اجتماع و لا تعارف، و لا تعاد و تخاصم فما سر هذا التالف و التحابب، و ما علة هذا الاختلاف و التنافر؟ ذلك ما بيّنه الرسول صلى اللّه عليه و سلم بهذا الحديث فهو يقول: «إن أرواح العباد و نفوسهم جنود مجتمعة و جيوش مجيشة فالتي بينها تعارف و تشاكل، و توافق و تناسب، يألف بعضها بعضا، و يسر باجتماعه، و يفرح للقائه. لاتفاق في المبدأ، و تقارب في الروح».
روى أبو يعلى في مسنده عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كانت امرأة بمكة مزاحة، فنزلت على امرأة مثلها في المدينة، فبلغ ذلك عائشة فقالت: صدق حبي سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «الأرواح جنود مجندة» ... إلخ.
أما التي بينها تناكر و تباين و تباعد و تغاير فإنها تختلف، و ينفر بعضها من بعض، و لا يود لقاءه، فالأخيار الأبرار، الأمجاد الأطهار إذا وجدوا في مجتمع جذبهم أشباههم، أو انجذبوا إليهم، و سرى بينهم تيار من المحبة جمع قلوبهم، و وثق فيها روابط الصلة، و عرى الإخاء و المودة اما من لا يشاكلهم فتنفر منه قلوبهم. و كذلك الأشرار الفجار إذا حلوا بناد بادر إليهم أضرابهم. و جذبهم قرناؤهم، و نفروا ممن لا يتخلق بخلقهم و لا يسير في سبيلهم.
فإذا عرفت رجالا بالبر و الإستقامة. و نفرت منهم نفسك و نبا عنهم قلبك.
فاعلم أن فيك عيبا و نقصا، و أنت دونهم في الطهارة فداو نفسك من عيوبها، و طهرها من أوزارها حتى تتقارب الأرواح، و تتشاكل النفوس، فتحل الألفة محل النفرة. و إذا رأيتك ميالا من تعرفهم بالشر و الفسق و الخلاعة[٢] و العهر[٣]، فاعلم أنك من طبقتهم، و نسبك من شجرتهم. فإذا كانت نفسك تحدثك بأنك البرّ الأمين، أو الصوفي العظيم، أو التقي المخلص، أو الإنسان المهذب فكذب نفسك في حديثها.
و اعتقد أنك غر[٤] مخدوع، و أبله مفتون، ففتش في زوايا قلبك تجد للباطل ركنا،
[١] - الرّكوب: ما يركب.
[٢] - الخلاعة: خلع عذاره: ترك الحياء و ركب هواه.
[٣] - العهر: الفجور.
[٤] - غرّ الرجل: جهل الأمور و غفل عنها.