الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٠٥ - ٣ - و أمرهما بالتطاوع، و نهاهما عن التخالف
عزمه. فتضره و لا تنفعه. و إذا قابلت من تزوج حديثا فبشره بالحياة الطيبة؛ و الذرية المباركة؛ و لا تقل له: زوجك هذه من أسرة خلقها كيت و كيت. أو هي لا تحسن إدارة منزل؛ و لا خدمة زوج؛ و قد خطبها فلان و رغب عنها؛ مما يدل على حماقتك و قصر نظرك؛ و أنك لا تقدر المواقف قدرها.
و إنما ذكر الرسول صلى اللّه عليه و سلم التنفير بجانب التبشير دون الإنذار الذي هو قرينه لأن الإنذار غير منهي عنه، إذ كان الرسول صلى اللّه عليه و سلم مبشرا و نذيرا لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً. ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً[١]، و القرآن من سننه قرن النعيم بالجحيم. و أن الأول: للمتقين، و الثانية: للمجرمين؛ فكيف ينهى الرسول صلى اللّه عليه و سلم عن سنته و طريقته، و عن سلوك منهج القرآن؟ لذلك نهى الرسول صلى اللّه عليه و سلم عن التنفير دون الإنذار. و أن للتبشير مقاما. و للإنذار مقاما. فالإنذار مقاما. فالإنذار لمن لا يقيمه على الصراط الإبراق و الإرعاد. و التبشير لمن يحركه إلى العمل بارق الأمل، و كلاهما محمود. أما التنفير فإنه ممقوت ما دام يبعد عن الحق، و يرغب عن الخير، فإن كان مبعدا عن الرذيلة فذلك الإنذار المحمود، و إذا كان للإنذار مقام، و للتبشير مقام، لم يكن الأمر بالتبشير نهيا عن الإنذار لاختلاف الوجهة، و من التنفير إذا كنت مدرّسا أن تحدث الطلبة بطول المقرر و صعوبته، و أنه لا أمل في الإحاطة به، أو أن تبدأهم بالمسائل الصعبة و الأبواب العسرة. بل تحدثهم بسهولة المقرر، و أن الإرادة الماضية تحيط به في يسير من الوقت، و تأخذ بهم من الأسهل إلى السهل، فالصعب ثم الأصعب و كذلك كل من تولى مع آخرين عملا مهما؛ يسهل عليهم أمره؛ و يتدرج بهم فيه، حتى يبلغوا غايته، و كل هذا من الحكمة.
٣- و أمرهما بالتطاوع، و نهاهما عن التخالف.
لأن التطاوع قوة و ألفة و التخالف ضعف و نفرة. فما دام الأمر في معروف فليطعه. فإن رأى غير ما رأى تباحثا في وجوه الاختلاف، و محّصا[٢] المسألة، ثم أصدرا عن اتفاق تلك نصيحة الرسول صلى اللّه عليه و سلم لأبي موسى و معاذ. و جدير بكل من بعث واليا، و عيّن حاكما، على إقليم من الأقاليم أن يضع هذه النصيحة نصب عينيه لينجح في إدارته، و يعلو في ولايته.
[١] - سورة الكهف، الآيتان: ٢، ٣.
[٢] - محّص المسألة: كشفها و تمعن فيها.