الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٤٠ - الشرح
و منهم من يرغب في ذات الحسب العالي و العدد الكثير يتخذ منهم عصبة و يعتز بهم عن قلة و يقوى عن ضعف.
و منهم من يرغب في ذات الجمال البارع يمتع بمنظرها نفسه و يستروح بها[١] قلبه.
و منهم من يرغب في ذات الدّين الحصان، يأمن بدينها أن يثلم شرفه، أو تزل قدمها في مهواة المعاصي و الشرور، إن غاب حفظت غيبه، و إن حضر لم تقع عينه منها على ما يكره و كل له وجهة، يدفعه إلى الاختيار ما يرى أنه الجدير بالطلب أو يحقق رغباته و يسد نهماته[٢]؛ فلا يزال يسعى وراء بغيته و يدأب للحصول على طلبته، لا يرضى بديلا عما رسمه لنفسه و لا يقنع بغير ما يرى أن سعادته في العثور عليها و تحصيلها حتى ينال أمنيته و يقنع ما تيسر له؛ غير أن الرسول عليه الصلاة و السلام اختار من بين هؤلاء الجديرة بالبحث و الطلب القمينة[٣] بأن تقتني و تدخر و تكون شريكة الرجل في حياته، تلك هي ذات الدين؛ إذا وجدت لا ينبغي العدول عنها، لأنها ضجيعة الرجل و أم أولاده، و أمينته على ماله و سره و شرفه، فدينها يجعل الرجل مطمئنا يفضي إليها بذات نفسه و يطلعها على مكنون أمره، و تكون الحفيظة على ماله و منزله، المربّية أولاده على التقوى و الصلاح فهو بها سعيد و هي به سعيدة.
أما ذات المال التي لم تعتصم بالدّين و لم تتحل بالتقوى فقلما يدوم له صفاؤها و يساس[٤] قيادها و ترعي حقوقه، و تكون له البارة المطيعة، و إنما تعتز عليه بمالها و تفخر بثرائها، ترى أن لها من غناها ما يجعلها النافذة الكلمة المطاعة الأمر، ذات الحرية المطلقة فيخرج من يده زمامها؛ و يفلت من حكمته و طاعته قيادها و تكون البلية عظمى إذا كان دونها في الثروة أو كان هو معدما، هنا تكون هي السيدة و هو المسود، هي الآمرة و هو المطيع، هي المالكة لأمره و تسيّره كما تحب و تهوى، فينقلب الأمر و تعظم المصيبة كما هو مشاهد بين ظهرانينا مما تئن منه الحياة الزوجية و يهدم في
[١] - يستروح: يريح و يفرح و يرضى.
[٢] - نهماته: حاجاته و شهواته.
[٣] - القمينة: الجديرة.
[٤] - يساس: ساس الأمر: دبّره و قام بإصلاحه.