الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٤٨ - الشرح
و ترتيب الأمور، و سيرها السير الحميد، و إنه ليعلي صاحبه عند الناس جميعا فيجعله موضع ثقتهم، مرغوب الحديث عندهم، محبوبا إليهم، محترم الكلمة عند حكامهم، مقبول الشهادة عند قضاتهم، لهذا أمرنا به الرسول صلى اللّه عليه و سلم كما أمرنا القرآن في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ[١]، و أشاد بمكانته في حديثه عن إبراهيم و إسحاق و يعقوب إذ يقول: وَ وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا[٢]، و مدح به إسماعيل في قوله: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا[٣]، و إدريس في قوله: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا. وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا[٤].
و الصدق يكون في القول و في العقيدة، و في العمل. فالصدق في القول أن يكون مطابقا لضميره، أو وفق الحقيقة، أو وفقهما معا، و هذا يدعوك إلى التثبت في الحديث، و التحري قبله. و ألا تقول بغير علم فإذا حدّثت عن الماضي فقل الحق.
و إذا حدّثت بما نويته فاجعل حديثك طبق نيتك. و إذا وعدت فاجعل نية الوفاء قرينة العزم. و لا تستفهم عن أمر و أنت به عليم لتغرر بالسامعين لحاجة في نفسك و لا تطلب من خادمك طلبا و قد أشرت إليه بعدم الإجابة؛ أو نبهته إلى ذلك من قبل.
و الصدق في العقيدة أن تكون طبق الأصل في الوجود. ففي الوجود إله واحد فعّال؛ يحكم ما يريد؛ و يبدىء و يعيد؛ فلا تعتقد له في ذلك ندا[٥] و شريكا و في الوجود محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فاعتقد رسالته، و في الوجود ظلم أمة أو عدالتها فاعتقد ما شهد به الوجود؛ و هكذا. و الصدق في العقيدة يستدعي أولا بحثها؛ و طلب الدليل عليها من الحسيات أو العقليات، و نفي الشبهات عنها. و الصدق في الفعل أن يكون مظهره في الخارج طبق صورته في النفس، فيكون خالصا للّه؛ تبغي به المصلحة؛ لا يشوبه نفاق و لا رياء، و لا تريد الوصول به إلى غرض دنيء، كالذي يزور عظيما؛ مظهرا تودّده إليه، و محبته له، و هو يريد من وراء ذلك منفعة شخصية. و كالذي يجاهد مداراة و مجاراة؛ أو طمعا في مركز أو جاه. فكل ما تقدم يشمله عنوان
[١] - سورة التوبة، الآية: ١١٩.
[٢] - سورة مريم، الآية: ٥٠.
[٣] - سورة مريم، الآية: ٥٤.
[٤] - سورة مريم، الآيتان: ٥٦، ٥٧.
[٥] - نّدا: الند: المثل و النظير.