الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٧٨ - ١١٨ - باب مضار الاختلاف و كثرة السؤال
ينضب[١] و معين لا يغيض[٢] و على مقدار كثرتهم في الأمة و استرشاد الناس بهم يكون رقيها و عزها.
كما أن في قلتهم و انقضاض الأفراد من حولهم أو ابتعادهم عن الناس يكون انحطاطها و تأخيرها. و انغمارها في جهالة جهلاء، و فشوا الأكاذيب و الأضاليل فيها.
و بموت العالم يخبو مصباح يضيء ظلمات الحياة، و يثلم سيف كان للحق ماضيا، و ينهدم ركن من أركان عظمة الأمة و مجدها، فإن لم يخلفه غيره بقي ذلك الجانب مهيضا[٣]. و ظل ذلك الركن مظلما، و استولت من بعده على العقول الأوهام و الخرافات، و ثارت من مكامنها هوام الفتنة و الزيغ[٤]، و تصدر المجالس من ليس لها بأهل، و أفتي من ليس بينه و بين العلم نسب و لا صهر فأذاع الأساطير، و ملأ الأفئدة و الآذان بما ينبو عنه العلم الصحيح. و يجافي الحق و الصواب و لا يزال سادرا في ظلماء الزيغ حتى يضل من حوله بضلاله و يعمي البصائر عن سواء السبيل.
فواجب على العلماء أن يذيعوا ما ائتمنهم اللّه عليه من مسائل العلوم و أبكار الفنون و أن ينشروا بين الناس نور الهدى و لا يستأثرون به دونهم، و على العامة أن يحرصوا على تفهم ما يحتاجون إليه في حياتهم حتى لا يصبحوا في بيداء لا هدى فيها و لا رشاد.
١١٨- باب: مضار الاختلاف و كثرة السؤال
عن أي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «دعوني ما تركتكم، فإنّما أهلك من كان قبلكم سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، و إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم». [رواه البخاري و مسلم[٥]].
[١] - ينضب: نضب الماء: غار و قل.
[٢] - يغيض: يقال: غاض الكرام: ذهبوا و قلوا.
[٣] - مهيّضا: هيّض فلانا: هيّجه.
[٤] - الزيغ: زاغ زوغا: مال عن القصد.
[٥] - رواه البخاري في كتاب: الاعتصام بالكتاب و السنة، باب: الاقتداء بسنن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم--( ٧٢٨٨).
و رواه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: توقيره صلى اللّه عليه و سلم و ترك إكثاره سؤاله عما لا ضرورة إليه أو ...( ٦٠٦٨).