الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٥٥ - الشرح
٦٢- باب: مفاسد من حرموا الحياء
عن أبي مسعود قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إنّ ممّا أدرك النّاس من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت». [رواه البخاري و مسلم و أبو داود و ابن ماجه[١]].
اللغة:
النبوة: سفارة بين اللّه و بين ذوي العقول من عباده لإزاحة علتهم في أمر معادهم و معاشهم. و حيي، و استحي و استحيا بمعنى واحد، و الأخير أعلى و أكثر و قد قدمنا في الحديث السابق شرح الحياء.
الشرح:
من يوم أن خلق اللّه الإنسان و جدّ النزاع[٢] بين بنيه بعث اللّه النبيين مبشرين و منذرين، و أنزل معهم الكتاب بالحق، فكان فيه الحكم البالغة، و النصائح القيّمة، و كان منها ما سار في الناس مسير الأمثال، فبقي على ممر الحقوب[٣] و الأجيال، و من ذلك «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»، أي إذا لم يكن لدى المرء حياء يحول بينه و بين الشرور، و يجنبه غشيان الزور، فليفعل ما بدا له من خير أو شر، حق أو باطل، طيب أو خبيث، معروف أو منكر يجرّ إليه الذم و الملام، و العيب و العار، أم لا يجر، فإن اللّه تعالى محص عليه ما يصنع، مقيد ما يعمل، و سيجزيه الجزاء العادل على ما كسبت يداه، فالأمر في العبارة للتوبيخ و التهديد، و فيه إشعار بأن الحياء هو الذي يحول بين المرء و مواقعة السوء[٤]. و أن من حرمه هوى في بؤرة الفساد لا محالة، حتى كأنه مأمور بارتكاب كل ضلالة، و مقارفة كل سيئة، و قيل: إن الأمر هنا للإباحة، و أن معنى العبارة: إذا كنت في فعلك آمنا من أن تستحي منه لجريانك فيه على سنن الصواب فاصنع ما بدا لك. لا حرج فيه عليك، و المعنى الأول هو المتبادر إلى الفهم.
[١] - رواه البخاري في كتاب: الأدب، باب: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت( ٦١٢٠).
و رواه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الحياء( ٤٧٩٧).
و رواه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: الحياء( ٤١٨٣).
[٢] - جد النزاع: عظم.
[٣] - الحقوب: جمع حقبة، مدة غير محددة.
[٤] - مواقعة السوء: الاقتراب منه و اقترافه.