الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٨٧ - و سابعهم رجل ينفق في سبيل الله لا يبتغي من الناس جزاء و لا شكورا
و خامسهم: رجلان تمكنت بينهما أواصر المحبة الصادقة
. و الصداقة المتينة، الخالصة للّه من شوائب النفاق و ابتغاء النفع، لا يؤثر فيها غني و لا فقر و لا تزيدها الأيام إلا وثوقا و إحكاما. سرهما في طاعة اللّه، و جهرهما في مرضاته لا يتناجيان في معصية و لا يسران منكرا. و لا تسعى أقدامهما إلى فسق أو فجور، تجمعهما رابطة الدّين و حبه. و تفرقهما الغيرة على الدّين و الذياد[١] عن حرمته، لا لعرض زائل أو متاع من الدنيا قليل.
و سادسهم: [رجل دعته إلى منكر امرأة ذات مال و جمال فأعرض عنها من خشية الله تعالى]
رجل دعته إلى منكر امرأة اجتمعت لديها كل دواعي الغي و العصيان من جمال رائع، و حسب و مال يغري ذوي النفوس المريضة و الإيمان الضعيف.
و يهيب بأولي السهوات[٢] الجامحة[٣].
و قلّ من يجتمع فيها ذلك من النساء فسرعان ما تلبي النداء و ترعى في خضراء الدمن[٤]، و لكن هذا الرجل صدها عن غيها و زجرها عما تبغيه منه؛ و ذكرّها بقوة اللّه و شدة بطشه و أنه منه جد خائف لا يقوى على عصيانه و لا يطيق عذاب نيرانه.
و هذا إنما يصدر عن شدة خوف من اللّه تعالى و متين تقوى و حياء.
و سابعهم: رجل ينفق في سبيل اللّه لا يبتغي من الناس جزاء و لا شكورا
فهو من المراآة بعيد، و عن الزلفى[٥] و المخادعة للناس ناء[٦]، يكاد لإخفائه الصدقة ألا تعلم شماله ما تنفق يمينه، فأين نحن من مثل هذا؟
ترى الواحد إذا حدثته نفسه بعمل بر زفت أمامه البشائر و دقت حوله الطبول، و يأبى إلا أن يقرن اسمه بألقاب التعظيم و التبجيل، و ينعت بنعوت الإحسان و البر ما ينوء بها عمله و لا يقوى على حملها ما اعتزمه؛ حتى إذا أتى وقت العمل، و إبراز ما نواه إلى عالم الظهور، خارت تلك العزيمة و تضاءلت هذه الهمة و نسي ما كان منه في
[١] - الذّياد: ذاده ذيادا: دفعه و طرده.
[٢] - السهوات: الغفلات.
[٣] - الجامحة: الهائجة المائجة.
[٤] - الدّمن: السماد المتلبد.
[٥] - الزلفى: الزّلفة: القربة و المنزلة.
[٦] - ناء: بعيد.