الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٢٤ - الشرح
اللغة:
تعوذ: قال: أعوذ باللّه، أي ألجأ إليه، و أتحصن به، يقال: عذت به أعوذ عوذا و عياذا و معاذا أي ألجأ إليه. و المعاذ: المصدر و الزمان و المكان. و أشاح:
يقال: بمعنى حذر و بمعنى جد في الأمر: و يقال: أشاح وجهه و بوجهه و أشاح عنه وجهه إذا أعرض متكرها. و الإتقاء: اتخاذ الوقاية مما يضر. و بعبارة أخصر: الحذر.
و الشق: النصف أو الجانب.
الشرح:
ذكر النبي صلى اللّه عليه و سلم النار و سعيرها و شررها. و تمثلها أمامه كأنه يراها رأي العين لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ[١]، فقال أعوذ باللّه منها. و أتحصن به من شرها و هولها[٢]، و أعرض بوجهه عنها متكرها لها كأن لفحها يكاد يصل إليه، فيحول عنها وجهه، ثم ذكرها مرة أخرى فصنع مثل ما صنع في الذكرى الأولى- و قد جزم شعبة أحد رواة الحديث و رجاله بهاتين المرتين، إما أن الرسول صلى اللّه عليه و سلم زاد عليهما فهذا ما لم يتيقنه شعبة- ثم قال الرسول صلى اللّه عليه و سلم: «اتقوا النار و لو بشق تمرة». إلخ.
النار عذابها أليم و سعيرها عظيم و هولها شديد. و الرسول صلى اللّه عليه و سلم بأمته رؤوف رحيم، حريص على سعادتها، و وقايتها مما يضرها، فكيف لا يرشدها إلى ما تتقي به النار، و تنأى به عن هول الجحيم؟ لقد بين أن الصدقات وقاية من النار فمن بذل المال في سبيل اللّه للفقراء و المساكين و الغارمين و المجاهدين، و المصالح العامة كان ما بذل سورا منيعا، و حاجزا حصينا، يقيه لهيب الجحيم، و قليل المال- ممن لا يستطيع غيره إذا أعطاه بطيب نفس و إخلاص قلب- كثير عند اللّه فهو يربي التمرة الصغيرة بل شقها. حتى تكون كالجبال الشامخة، أثرها كبير و ثوابها عظيم، فلا تحقر المعروف و إن قلّ، و لا تستقل الصدقة و إن كانت بشق من تمرة، أو مليّم من قرش، أو قطعة من رغيف، فربما سدت حاجة من جائع، بل ربما أنقذت نفسا أشرفت على الهلاك، و قد ذمّ اللّه من عاب جماعة بقلّة ما بذلوا و هو منتهي جهدهم و غاية وسعهم، فقال: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ يغتابون و يعيبون الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ
[١] - سورة التكاثر، الآيتان: ٥، ٦.
[٢] - هولها: الهول: الفزع الشديد و الخوف.