الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٣٩ - الشرح
و المجاهرة بمعنى واحد. و المجانة: الإستهتار و عدم المبالاة بما يقول أو يقال له.
و بما يفعل. يقال: مجن يمجن مجونا و مجانة و مجنا. و في رواية، المجاهرة بدل المجانة. و في ثانية: الإجهار. و في ثالثة: الجهار و في رابعة: الإهجار. يقال: أهجر في منطقه يهجر إهجار إذا أفحش أو أكثر الكلام فيما لا ينبغي. و الإسم الهجر، و البارحة: أقرب ليلة مضت من وقت القول. و هي من برح بمعنى زال. و الستر:
الستارة أي ما يستر به.
الشرح:
المعاصي حمى اللّه، محرم علينا غشيانها[١]، بل أن نرتع[٢] حولها.
لتسلم أجسام لنا و عقول، و أعراض و نفوس. و الغشيان محظور ليلا و نهارا، سرا و جهارا و إن كان الأثر مختلفا، و العقاب متفاوتا. ذلك أن المستترين في عصيانهم؛ المختفين في فسقهم، عندهم بقية من الحياء، إن لم يكن من اللّه فإنه من الناس. فلا زال لديهم ضمير يؤنبهم، و واعظ نفسي ينصحهم، و إن كان مغلوبا على أمره، و مقهورا للشيطان، و لذلك استحوا من الإعلان، و اختفوا عن الأنظار، و إن كان اللّه بما يعملون محيطا. هذا إلى أنهم بأسرارهم، لم يلفتوا غيرهم إلى جرمهم، و لم يحرضوا النفوس الغافلة بعملهم على الاقتداء بهم في فسقهم. و إلى ذلك أن العفو عنهم من مأمول إذا تابوا و أنابوا، و أصلحوا ما أفسدوا وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى[٣]، لأن الضرر لم ينتشر، و الأثر لم يكثر، و الذنب عنهم لم يعرف. أما المعلنون لفسقهم، المجاهرون بعصيانهم، المستهترون بدينهم؛ الذين يشربون الخمر على قارعة الطريق، و يرتادون الفاحشة جهارا و يتعاملون بالربا علنا، و يلعبون الميسر في النوادي. و يتجاهرون بترك الصلاة و منع الزكاة. و يغشون[٤] المطاعم و المقاهي في رمضان على مرأى من الناس و منظر؛ و يأخذون الرشا أمام العيون- أما أولئك فليسوا بمعافين، و ليسوا من الأذى بسالمين، و لا من الشر آمنين، و لا من العفو نائلين. و كيف؛ و إعلانهم يدل على تمكن الشر من نفوسهم، و امتزاجه بلحومهم و دمائهم، و أنهم فقدوا خلق الحياء، و مات عندهم الوازع[٥]. فأولئك
[١] - غشيانها: إتيانها.
[٢] - نرتع: المراد لا نرتكبها و لا نحوم حولها.
[٣] - سورة طه، الآية: ٨٢.
[٤] - يغشون: يدخلون.
[٥] - الوازع: الضمير الزاجر و الناهي و المعاتب.