الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٤٥ - الشرح
و قد أفاد الحديث أن إثم الهجر يزول بتبادل التحية، و أن خير المتهاجرين من يبدأ بالسلام، فله ثواب السبق، و كبح[١] جماح[٢] النفس، فإن لم يرد عليه الآخر باء بالإثم.
و قال الإمام أحمد: لا يزول الهجر بمجرد التحية بل لا بد من رجوع الحال إلى ما كانت عليه قبل الخصام.
و في هذا الباب قصة لعائشة «مع ابن أختها عبد اللّه بن الزبير استشكلها العلماء فنذكرها لما فيها من الأدب الجم، و نعقبها بالجواب عنها.
روى البخاري عن عائشة: أن عبد اللّه بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: و اللّه لتنتهين عائشة، أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا نعم، قالت: هو للّه عليّ نذر ألا أكلم ابن الزبير أبدا. فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة فقالت: لا. و اللّه لا أشفع فيه أبدا. و لا أحنث في نذري. فلما طال ذاك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، و عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، و هما من بني زهرة، و قال لهما: أنشدكما باللّه لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي- هي خالته و مربيته- فأقبل به المسور و عبد الرحمن و هما مشتملين بأرديتها، حتى استأذنا على عائشة. فقالا: السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته. أندخل؟
قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم، و لا تعلم أن معهما ابن الزبير فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة، و طفق يناشدها و يبكي و طفق المسور و عبد الرحمن يناشدانها، إلا ما كلمته، و قبلت منه. و يقولان إن النبي صلى اللّه عليه و سلم نهى عما قد علمت من الهجر. و إنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة و التذكير بفضل صلة الرحم العفو و كظم الغيظ- و التحريج: التضييق- طفقت تذكرهما. و تبكي. و تقول: إني نذرت، و النذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمات ابن الزبير و أعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، كانت تذكر نذرها بعد ذلك. فتبكي حتى تبل دموعها خمارها»[٣].
[١] - كبح: كبح فلانا عن حاجته: ردّه عنه.
[٢] - جماح: جمح الرجل: ركب هواه فلا يمكن ردّه.
[٣] - رواه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الهجرة و قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« لا يحل لرجل ...»( ٦٠٧٣).