الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٣٢ - ١٢ - باب فضل الكسب باليد
١٢- باب: فضل الكسب باليد
عن المقدام رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده، و إنّ نبيّ اللّه داود ٧ كان يأكل من عمل يده». [رواه البخاري و أبو داود و النسائي[١] و غيرهم].
طرق المال كثيرة كالوراثة و الهبة و الصدقة؛ و كالاشتغال في عمل حكومي يتقاضى في نظيره أجرا؛ و كالتجارة و الزراعة و الصناعة، و قد بين الرسول صلى اللّه عليه و سلم أن خير طعام يأكله المرء ما كان من عمل يده، فالذي يشتغل بيده، و يكدح ببدنه و يستجدي الرزق من عرق جبينه و يأكل من إنتاجه خير ممن يأكل من تركة موروثة، أو هبة مبذولة، أو صدقة تعطى له عفوا أو إستجداء ذلك أن ما كسبه الإنسان بكدحه و كده يفيد جسمه نشاطا و يكسبه صحة، و يزيده قوة فإذا ما أكل أكل هنيئا؛ و هضم سريعا، فاستفاد و قويت النية، و لا كذلك الكسل الخمول الذي يعتمد على مال وقع في يده عفوا، و يعطل أعضاءه عن العمل و الحركة، و يمكث طوال يومه على مقهى أو مسطبة، فيأكل من غير شهية إذا لم يهضم الطعام السابق فيزداد خمولا إلى خمولاه و تعتل الصحة، فلا يجد حلاوة لطعام أو شراب، أضف إلى ذلك أن المال الناتج من الكد أغلى قيمة عند صاحبه مما جاءه عفوا، و لذلك تجده أحرص عليه مما سبق إليه، و إنه ليشعر بلذة كبيرة ساعة ينتفع به، و هل ترى تناول الثمرة من يد البائع كتناولها بيدك من الشجرة؟ و إلى ذلك أيضا أن الثروة المسوقة إن ضاعت قلما تجد لها عوضا، أما الثروة الكسبية فقلما تضيع، و إن ضاعت فمنبعها قائم و هو اليد العاملة.
و لقد ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن نبي اللّه داود ٧ كان يأكل من عمل يده إذ كان يصنع الدروع الحربية، و لا أحدثك عن داود و ملكه إذ سخر اللّه له الجبال و الطير و الحديد و آتاه السلطان مكافأة له على شجاعته الحربية لما قتل جالوت و فيه يقول اللّه:
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ[٢] فمع هذا الملك و السيطرة، و ما تبعهما من الغنى و الثروة لم يستنكف من العمل بيده ليشجع العمال على المضي في
[١] - رواه البخاري في كتاب: البيوع، باب: كسب الرجل و عمله بيده( ٢٠٧٢).
[٢] - سورة ص، الآية: ٢٦.