الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٣٠ - الشرح
و من هذا القبيل أمر الرسول صلى اللّه عليه و سلم زوجة سودة بنت زمعة بالاحتجاب من أخيها ابن جارية أبيها لما ادعى بنوته عتبة بن أبي وقاص. فقال الرسول صلى اللّه عليه و سلم «الولد للفراش و للعاهر الحجر»[١] و حكم به لزمعة، و أمر سودة بالاحتجاب منه لما رآه شبيها في الصورة بعتبة. و من هذا أيضا شخص أرسل كلبه للصيد و سمى عند الإرسال. فوجد عند الصيد مع كلبه كلبا آخر لم يسم عليه و لا يدري أيهما الذي صاد، فإنه يترك الأكل منه، و كذلك مر النبي صلى اللّه عليه و سلم بتمرة ساقطة فقال: «لو لا أن تكون صدقة لأكلتها»- ذكر هذه المسائل الثلاث البخاري في صحيحه- وعد بعض العلماء المكروه من المشتبهات إذ تنازعه الإذن فيه و المنع منه، و من المشتبهات مال شخص لا يتحرج في كسبه عن الحرام، فترك معاملته و الأكل من ماله الورع، كذلك من الشبهات المكاسب الناتجة عن صلح لم تكن نفوس المتصالحين به طيبة لقسر شابه[٢].
و قد نفى الرسول صلى اللّه عليه و سلم العلم بالمشتبهات عن كثير من الناس فأفاد أن بعضهم قد يعلم حقيقتها، و أنها من وادي الحلال أو الحرام، فلا تكون إذ ذاك مشتبهة عنده، بل لها حكم الحلال البين أو الحرام البين، و قد بين الرسول صلى اللّه عليه و سلم أن من تحامى المشتبه الذي قد يكون في الواقع إثما حراما كان للحرام البين أشد تحاميا، و من جرأ نفسه و شجعها على اقتحام الشبهات و الوقوع فيها مع قيام الشك و مخالطة الريب كاد يواقع الحرام البين. فالشبهات وقاية دون الحرام، فمن انتهكها كاد يتردى في هاوية الحرام، و من تجنبها كان في مأمن منها، بعيدا عنها، فاجعل بينك و بين الحرام حصنا، و اضرب دونه سدا.
و ما المعاصي إلا كالأرض التي يحميها الملوك، فيخصونها ببهمهم[٣] و يمنعونها من غيرهم، فمن ترك من الرعاة منطقة حولها، لا يرعى فيها بهمه أمن الوقوع في الحمى، و سلم من سخط الملوك و التعرض لعقابهم، و من رعى في المنطقة المجاورة لا يأمن الوقوع فيه، كذلك المعاصي هي حمى اللّه في أرضه، و الشبهات منطقة حولها فمن ترك الشبهات كان للمعاصي أترك، و من خالطها كان إلى
[١] - أي الولد للشخص الذي ولد على فراشه و لا شيء للعاهر الزاني أو له الرجم بالحجارة.
[٢] - لقسر شابه: لقهر خالطه.
[٣] - ببهمهم: البهائم: الضأن و المعز.