الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٢٧ - و الخامس و السادس الجبن و البخل
السابع و الثامن: غلبة الدّين و قهر الرجال: و الدّين- أعاذك اللّه- إذا غلب الإنسان ذهب بعزه، و أودى بنعيمه و أنسه و أتى على طارفه[١] و تليده[٢] و قديمه و جديده.
إذا غلب الإنسان ملك عليه فكره و عقله، و صوابه و رشده فلا يذوق طعم الهناءة و لا يحسن التفكير و لا يهتدي إلى الصواب. و إنما يغلب الدين إنسانا استدان بلا بصيرة و لم يدبر أمره و ينظم شأنه. و يجدّ في طلب و تلمس الطرق المشروعة إليه ليقوم بالسداد، و إنما يغلب من استدان و لم يعزم على الوفاء بل كانت نيته التقصير. إنما يغلب من استدان لغير حاجة ماسة بل لارواء شهوة أو ابتغاء الشهرة و الملق[٣] و الرياء وحب الظهور الكاذب و المدح بالباطل.
أما من استدان لضرورة ملجئة عازما على الوفاء فهذا اللّه ضامنه، و موفقه للسداد ورازقه من حيث لا يحتسب حتى يخلصه مما أهمه وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[٤].
و غلبة الرجال إما بالإذلال و الاستعباد لغيرهم: أو انتصارهم عليه في مواطن النزاع و الخصومة، أو في ميادين الحرب و الطعان فنعوذ باللّه من أن يستبد بنا فرد فيستخدمنا لماربه، و يا بني على رؤوسنا عظمة كاذبة و مجدا موهوما، و يطمس معالم مجدنا و سؤددنا[٥]، كما نعوذ به من أن يغلبنا خصمنا فينصر باطله على حقنا و تكون له الكلمة علينا، و يقتل رجالنا و يسلبنا أموالنا و يسبي نساءنا و ذرارينا[٦] و يدوس عزتنا و كرامتنا، نعوذ باللّه من كل ذلك و نسأله القوة و العدة حتى يرهبن الأعداء و أن يهبنا أسباب السعادة و العزة حتى لا يستبد بنا فرد أو أمة.
تلك هي الأمور الثمانية التي علمها الرسول صلى اللّه عليه و سلم لأبي أمامة فلنتخذ منها غذاء في الصباح و عشاء في المساء حتى نجمع إلى تغذية الجسم تغذية الروح فلنضمن لنفوسنا
[١] - طارفه: الحديث المستفاد من المال و نحوه و هو خلاف التالد.
[٢] - تليده: التّلاد: المال الأصلي القديم.
[٣] - الملق: الكلام.
[٤] - سورة الطلاق، الآية: ٢- ٣.
[٥] - سؤددنا: السّؤدد: المجد و الشرف.
[٦] - ذرارينا: مفرده: ذرّية. و هي: ولد الرجل.