الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٢٦ - و الخامس و السادس الجبن و البخل
فَضْلِهِ[١]، إذ الحياة الحقة أن تعيش مرفوع الرأس موفور الكرامة في قولك و تصرفك و قلمك و رأيك و اعتقادك، أن تعيش في أمة لا سلطان لأحد عليها. و لا من يتحكم في رقابها و حقوقها و أموالها رأيها المحترم و قولها النافذ، و مصلحتها المقدسة، و لن يعيش في أمة هذا وصفها إلا من بذل نفسه في الذود[٢] عنها و كرّس حياته في جلب الخير لها، و دفع الضرر عنها. هذا هو الكريم حقا، هذا هو الشجاع صدقا، هذا هو الجواد بلا ريب. و الجود بالنفس أقصى غاية الجود.
|
تأخرت استبقي الحياة فلم أجد |
لنفسي حياة مثل أن أتقدما |
|
أما الذي يبخل بماله عن نفسه فلا ينفقه في سبيل ترفيهها و إسعادها و تهذيبها و سد حاجتها و تقديم الطيبات لها، أو يبخل به عن الفقراء و المساكين، و العجزة و المقعدين، و المنكوبين و الملهوفين، أو يبخل به عن الجهاد، و مناجزة الأعداء، و مصالح الأمة العامة، الذي يبخل بماله عن ذلك و يحبسه في خزائنه إنما يسعى في هلاك نفسه و القضاء على أمته.
و ما يبغي من يكنز أمواله عن حقوقها؟ أفيطمع أن يأخذه معه إلى جدثه[٣]؟ أو ينفق منه في عالم الغربة و الوحدة؟ أينفعه إذ ما وقف أسرع الحاسبين. و اشتد الكرب و هال[٤] الخطب؟ كلا لن ينفع الإنسان بعد وفاته ما له إذا لم يكن من عمله منقذ و ناصر، بل يكون شرا عليه و نكالا لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ[٥]، وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ[٦] و المؤمن الصادق من بذل في سبيل الدين نفسه و في إعلاء شأن أمته ماله.
[١] - سورة آل عمران، الآيتان: ١٦٩، ١٧٠.
[٢] - الذود: الدفاع و التضحية.
[٣] - جدثه: قبره.
[٤] - مال: خاف و رعب و فزع.
[٥] - سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.
[٦] - سورة التوبة، الآيتان: ٣٤، ٣٥.