الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٢٤ - الثالث و الرابع مما تعوذ منه الرسول صلى الله عليه و سلم العجز و الكسل
أو يخشون قوارع[١] تحل بهم أو نوائب تصيبهم فتطير قلوبهم هلعا و نفوسهم جزعا، و خليق بهم أن يعدوا لكل أمر عدته، و لكل شدة وقايتها و أن يكون تفكيرهم في الوسائل المنجية من البلاء أو المبعدة عنه أو المخففة من وقعه.
فمن أجل أن الهم مضيعة للوقت في غير جدوى، و أنه داع إلى التقصير في الواجب و أنه تقاعد عن التدبير النافع لنيل الخير المرجو، أو تجنب الشر المحذور، من أجل ذلك تعوذ الرسول صلى اللّه عليه و سلم منه كما تعوذ من الحزن الذي يكون على أمر محبوب فات نيله. أو ضر نزل لا يقلع، فهذا أيضا مذموم. و قد نهانا اللّه عنه بقوله: وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا[٢]، و بقوله حكاية عن رسوله صلى اللّه عليه و سلم لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا[٣].
و لو كان الحزن يرد فائتا، أو يدفع واقعا لكنا فيه معذورين، و لكنه مضيعة للوقت و سخط على القضاء، و تعلق بما لا سبيل له و تكاسل عن اتخاذ الأسباب لدفع المصيبة أو تخفيف ألمها، فمن أجل ذلك أيضا تعوذ الرسول صلى اللّه عليه و سلم منه.
و على المؤمن أن يدرع بالصبر و يأخذ لنفسه من حوادثه و حوادث غيره عظات لما يستقبل من أيامه حتى لا يقع فيما وقع فيه من قبل «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين»، و اللّه سبحانه يختبر بالمصائب عباده، ليميز الخبيث من الطيب و يستبين من كان قوي العزيمة كثير الجلد و التصبر من الخائر[٤] الهلوع قال تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ[٥].
و قال عز شأنه: أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ[٦].
الثالث و الرابع: مما تعوذ منه الرسول صلى اللّه عليه و سلم العجز و الكسل
و الأول: عدم القدرة على الشيء، و الثاني: التقاعد عنه مع استطاعته، و إذا علمت أن بالعمل مكانة الإنسان في هذه الحياة و علوه و رفعته، و أن به السعادة في الآخرة و الفوز بالنعيم المقيم، و أن
[١] - قوارع: جمع القارعة: و هي المصيبة.
[٢] - سورة آل عمران، الآية: ١٣٩.
[٣] - سورة التوبة، الآية: ٤٠.
[٤] - الخائر: الضعيف المنكسر.
[٥] - البقرة، الآية: ١٥٥.
[٦] - سورة العنكبوت، الآيتان: ٢، ٣.