الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٧٥ - ٦٩ - باب الاحتراس من النار و تغطية الآنية
ذلك. بل العلة هنا أشد تحققا. فإن انفراد جمع بالمناجاة من دون واحد أشد إيغار لصدره. و بدل أن يكون النفور من شخصين يكون من أكثر. فالأثر أفحش. فكان بالمنع أجدر و كأن الحكمة في تخصيص الثلاثة بالذكر أنها أول عدد يتصور فيه المعنى. فما كان مثله في تحقيق العلة ألحق به، و إن كان المجلس مؤلفا من أربعة فأكثر. و كان الباقي بعد من يتناجي اثنين فأزيد جازت النجوى. إذ يمكن الباقين التانس و التناجي. و يدل على ذلك قول الرسول صلى اللّه عليه و سلم: «حتى تختلطوا بالناس»، و عمل ابن عمر راوي الحديث. فإنه كان إذا أراد أن يسار رجلا و كانوا ثلاثة دعا رابعا. و قال للاثنين. استريحا شيئا فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «إذا ...» إلخ. و يؤيده أيضا ما رواه البخاري عن عبد اللّه قال: قسم النبي صلى اللّه عليه و سلم يوما قسمة. فقال رجل من الأنصار.
إن هذه القسمة ما أريد بها وجه اللّه. قلت: أما و اللّه لآتين النبي صلى اللّه عليه و سلم فأتيته و هو في ملأ، فساررته، فغضب حتى احمر وجهه، ثم قال: «رحمة اللّه على موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر»[١]. نعم لو كان الباقون تحزنهم المناجاة تركت لوقت آخر. ما لم تكن في أمر مهم لا خطر فيه، و لو تسارا الحديث اثنان. فقدم عليهما ثالث. أو كان بحضرتهما ثالث لا يسمع جهرهما لا يقرب منهما ليتسمع حديثهما إلا بإذنهما.
روى البخاري في (الأدب المفرد) عن سعيد المقبري قال: مررت على ابن عمر و معه رجل يتحدث. فقمت إليهما. فلطم صدري. و قال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما. و ذكر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم نهى عن ذلك، و النهي في رواية «يتناج» يدل على التحريم. ما لم يكن رضا من المنفرد، و آية الرضا إذنه بالتناجي، و النفي في الرواية الآخرى بمعنى النهي.
٦٩- باب: الاحتراس من النار و تغطية الآنية
عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «اطفئوا المصابيح باللّيل إذا رقدتم، و أغلقوا الأبواب و أوكئوا الأسقية، و خمّروا الطّعام و الشراب»، و في رواية زيادة: «و اكفتوا صبيانكم عند المساء فإنّ للجنّ انتشارا و خطفة».
[١] - رواه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الصبر في الأذى( ٦١٠٠).