الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٧٤ - الشرح
وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[١]، نهانا اللّه جلّ شأنه عن التناجي بما فيه ضرر أو إضرار. فلا نتناجى باثام يعود ضررها أولا إلى نفوسنا. و تبعدنا من رحمة ربنا. كإسراف في طعام أو شراب أو لباس. و لا بجرائم يتطاير شررها إلى الناس أولا. و يعود منه إلينا ثانيا.
كزنى و قتل. و سرقة و نهب. و لا بعصيان الرسول فيما أمر. أو الخروج على ما شرع.
و أباح لنا التناجي بالأعمال الخيرية، من نشر علم، و تقويم خلق، و بذل مال و إصلاح خصم، و بالأمور التي تقينا الأضرار. و تحفظنا من الغوائل[٢]. كإعداد القوة للعدو، و اتخاذ الحصون من دونه، و ادّخار المال للنوائب و الحميه الواقية من الأمراض و بيّن أن النجوى بالأوزار من وسوسة الشيطان ليحزن بها الذين آمنوا. إذ يسرهم البر و التقوى، و يحزنهم اقتراف الآثام، و التحدث بها، و الائتمار عليها، و قد تكون كيدا لهم، و تامرا عليهم، فالنجوى بالسوء محرمة مطلقا. بين اثنين انفرادا بها عن ثالث، أو عن ثالث و رابع، أو بين جماعة انفردوا بها عن واحد أو أكثر، استأذنوا أم لم يستأذنوا.
أمّا النجوى بالخير فحلال للمتناجين. غير أن هناك أدبا يتعلق بها. تجب رعايته بالنسبة للحاضرين. ذلك ما بيّنه الرسول صلى اللّه عليه و سلم في هذا الحديث. فإن كان المجلس مؤلفا من ثلاثة فلا يتسارّ اثنان بحديث دون الثالث لأن هذا يوحشه و يحزنه. و قد يظن أنهما ينهشان[٣] في عرضه. أو يحطان من قدره، أو يكيدان له، فيقوم من المجلس موغر الصدر[٤]، تساوره الظنون، و تخالجه[٥] الريب، فللإبقاء على المودة، و المحافظة على الألفة منعا المناجاة من دونه إلا أن يستأذناه فيأذن. فلا حرج إذا لأن المنع لحقه، فيستباح بإذنه، و كذلك الحكم لو تناجى ثلاثة من دون رابع أو أربعة من دون خامس، أو خمسة من دون سادس، أو ... إلخ، لتحقق علة النهي في كل
[١] - سورة المجادلة، الآيتان: ٩، ١٠.
[٢] - الغوائل: الفساد و الشر و الداهية.
[٣] - ينهشان: نهش فلانا في عرضه: اغتابه و وقع فيه.
[٤] - موغر: محمي الصدر من الغيظ.
[٥] - تخالجه: تخطر له الشكوك.