الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٤٤ - الشرح
الذي يبدأ بالسّلام»، [رواه البخاري و مسلم[١]].
اللغة:
الهجر: ضد الوصل، فالمراد به الترك قولا أو فعلا. و فسرها هنا بترك الشخص مكالمة الآخر إذا تلاقيا.
الشرح:
المؤمن لأخيه المؤمن ودود متودد، آلف متألف، محب متحبب لا يعرف الهجر و العداء، و النفور و الخصام، لأن ذلك يضعف المنة، و يوجب الفرقة، و يمزق الوحدة، من أجل هذا حرّم الرسول صلى اللّه عليه و سلم على الإنسان أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، معها أيامها، يلقى أحدهما الآخر، فينأى عنه بجانبه، و يلوي الآخر عنقه. لا ينبسان[٢] بكلام، و لا يتبادلان السلام، و قد دل الحديث بمفهومه على حل الهجر ثلاثا، رفقا بالناس، و رحمة بهم، ذلك أن الهجر أثر غضب و نفور، و للغضب ثورة و سلطان وحدّة، يصعب التغلب عليها أول الأمر، فرخص للشخص في ثلاث، حتى تهدأ نار الغضب أو تخمد، و يضعف أثره أو يذهب. أما ما زاد عليها فحرام ما لم يكن في الهجر مصلحة راجحة، فإذا خاف على دينه الفساد أو خشي الضرر على نفسه أو دنياه من المكالمة جاز له الهجر، و رب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية، و لذلك أمرنا اللّه به في تأديب الزوجات في قوله: وَ اللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ. وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا[٣]، و أمر رسوله صلى اللّه عليه و سلم بالصبر و الهجر الجميل في قوله: وَ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ. وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا[٤]، و هجر صلى اللّه عليه و سلم كعب بن مالك و صاحبيه خمسين يوما لما تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر، و أمر أصحابه بهجرانهم، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت و ضاقت عليهم أنفسهم، و ظنوا ألاملجأ من اللّه إلا إليه، و هجر صلى اللّه عليه و سلم نساءه شهرا، و تهاجر جماعة من الصحابة، و مدار البحث أنه إذا كان في الهجر مصلحة تفوق ضرره جاز، و إن زاد على ثلاث.
[١] - رواه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الهجرة و قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« لا يحل لرجل ...»( ٦٠٧٧).
و رواه مسلم في كتاب: البر و الصلة، باب: تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي( ٦٤٧٨).
[٢] - ينبسّان: نبس: تحركت شفتان بشيء.
[٣] - سورة النساء، الآية: ٣٤.
[٤] - سورة المزمل، الآية: ١٠.