المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٥٣ - التعليق
و الثانى: فى إثبات الكفر الباطن.
و أما الطرف الثانى: فهو مبنى على مسألة كون الإيمان قولا و عملا كما تقدم، و من الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا فى قلبه، بأن اللّه فرض عليه الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج و يعيش دهره لا يسجد للّه سجدة و لا يصوم من رمضان، و لا يؤدى للّه زكاة و لا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، و لا يصدر هذا إلا مع نفاق فى القلب و زندقة، لا مع إيمان صحيح[١]. اه
و فى حالة استتابته و عدم رجوعه هل يلحق تارك الزكاة و الصوم و الحج بتارك الصلاة فى وجوب قتله على قول من قال بقتله أعنى إذا أقر و لم يقم بها.
يقول ابن القيم: فيه ثلاث روايات عن الإمام أحمد:
إحداها: يقتل بترك ذلك كله كما يقتل بترك الصلاة. و حجة هذه الرواية أن الزكاة و الصيام و الحج من مبانى الإسلام، فيقتل بتركها جميعا كالصلاة، و لهذا قاتل الصديق مانعى الزكاة و قال: و اللّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة و الزكاة، إنها لقرينتها فى كتاب اللّه و أيضا فإن هذه المبانى من حقوق الإسلام و النبي صلى اللّه عليه و سلم لم يؤمر برفع القتال إلا عمن التزم كلمة الشهادة و حقها، و أخبر أن عصمة الدم لا تثبت إلا بحق الإسلام. فهذا قتال للفئة الممتنعة، و القتل للواحد المقدور عليه إنما هو لتركه حقوق الكلمة و شرائع الإسلام و هذا أصح الأقوال.
و الرواية الثانية: لا يقتل بترك غير الصلاة، لأن الصلاة عبادة بدنية لا تدخلها النيابة، و لقول عبد اللّه بن شقيق: كان أصحاب محمد صلى اللّه عليه و سلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة[٢]. و لأن الصلاة قد اختصت- من سائر الأعمال- بخصائص ليست لغيرها: فهى أول ما فرض اللّه من الإسلام، و لهذا أمر النبي صلى اللّه عليه و سلم نوابه و رسله أن يبدءوا بالدعوة إليها بعد الشهادتين فقال لمعاذ: «ستأتى قوما من أهل الكتاب، فليكن
[١] - مجموع الفتاوى: ٧/ ٦١٠- ٦١١.
[٢] - رواه عنه: الترمذي ٥/ ١٤ و المروزى فى تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٩٠٤- ٩٠٥.