المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٣١٣ - التعليق
و إذا قدر خلوها عن ذلك كله فالمنقول عن الصحابة المنع من ذلك و صح عن على بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- و ذكر الخبر ثم قال: و المنقول عن أبى حنيفة و أصحابه و أحمد و أصحابه تحريمها.
و أما الشافعى فإنه قال: أكره اللعب بها للخبر، و اللعب بالشطرنج و الحمام بغير قمار و إن كرهناه أخف حالا من النرد، و هكذا نقل عنه غير هذا اللفظ مما مضمونه: أنه يكرهها، و يراها دون النرد، و لا ريب أن كراهته كراهة تحريم فإنه قال للخبر، و لفظ الخبر الّذي رواه هو عن مالك: «من لعب بالنرد فقد عصى اللّه و رسوله» ... و قد نقل عنه أنه توقف فى التحريم و قال: لا يتبين لى أنها حرام و ما بلغنا أن أحدا نقل عنه لفظا يقتضي نفى التحريم.
و قد تنازع الجمهور هل يسلم على اللاعب بالشطرنج؟ فمنصوص أبى حنيفة و أحمد و المعافى بن عمران و غيرهم: أنه لا يسلم عليه، و مذهب مالك و أبى يوسف و محمد: أنه يسلم عليه. و مع هذا فإن مذهب مالك أن الشطرنج شر من النرد، و مذهب أحمد أن النرد شر من الشطرنج، كما ذكره الشافعى.
و التحقيق فى ذلك أنهما إذا اشتملا على عوض أو خلوا عن عوض فالشطرنج شر من النرد. لأن مفسدة النرد فيها و زيادة مثل صد القلب عن ذكر اللّه و عن الصلاة و غير ذلك ... و اشتغال القلب بالتفكير فى الشطرنج أكثر، و أما إذا اشتمل على عوض فالنرد شر، لاستشعارهم أن العوض يكون فى النرد دون الشطرنج[١]. اه
قلت: و خلاصة القول إن من أقوى ما استدل به من ذهب إلى تحريم الشطرنج مطلقا هو القياس فقد قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
فهذه العلل متحققة فى الغالب فيمن يمارس هذا الأمر، و أيضا التصريح
[١] - مجموع الفتاوى ٣٢/ ٢١٦- ٢٢٠. و انظر: المغنى لابن قدامة ٩/ ١٧١- ١٧٢.