المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٤٣ - التعليق
تركوا الأسباب المشروعة ظنا منهم أن فى الأخذ بها قدحا فى التوكل، و هذا الفهم جهل بالتوكل و معناه.
يقول ابن القيم بعد ذكره لعدة أحاديث أمرت بالتداوى.
فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب و المسببات و إبطال قول من أنكرها و الأمر بالتداوى و أنه لا ينافى التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع و العطش و الحر و البرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التى نصبها اللّه مقتضيات لمسبباتها قدرا و شرعا، و أن تعطيلها يقدح فى نفس التوكل كما يقدح فى الأمر و الحكمة و يضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل فإن تركها عجز ينافى التوكل الّذي حقيقته اعتماد القلب على اللّه فى حصول ما ينفع العبد فى دينه و دنياه و دفع ما يضره فى دينه و دنياه و لا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب و إلا كان معطلا للأمر و الحكمة و الشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلا و لا توكله عجزا[١]. اه
و ما من شك أن اللّه سبحانه و تعالى قد كتب لكل إنسان رزقه و ما هو مقسوم له فالرزق مضمون و ما على المؤمن إلا أن يتوكل على اللّه عز و جل و يثق به و يتخذ الأسباب المشروعة و المأمور بها لتحصيل ما كتبه اللّه تعالى له.
و قد يعتقد البعض أن اتخاذ الأسباب المشروعة لا فائدة منه و يقول: إن كان قد قدر لى شيء حصل و إن لم يقدر لم يحصل سواء سعيت أم لم أسع و هذا مفهوم خاطئ فاللّه سبحانه و تعالى جعل السبب لحصول المطلوب و يقضى اللّه بحصوله بإذنه إذا فعل العبد السبب و قام به.
يقول ابن الجوزى: و قد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة منها أنهم قالوا: لا بد أن يصل إلينا رزقنا و هذا فى غاية القبح فإن الإنسان لو ترك الطاعة و قال: لا أقدر بطاعتى أن أغير ما قضى اللّه عليّ فإن كنت من أهل الجنة فأنا إلى الجنة أو من أهل النار فأنا من أهل النار. قلنا له: هذا يرد
[١] - زاد المعاد ٣/ ٦٧.