نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٥٢ - ٣١ - و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام، كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين ٥
و اعلم أنّ أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة [١] و مشقّة شديدة. و أنّه لا غنى لك فيه عن حسن الارتياد [٢]، و قدّر بلاغك من الزّاد مع خفّة الظّهر فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذلك وبالا عليك. و إذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه و حمّله إيّاه [٣] و أكثر من تزويده و أنت قادر عليه، فلعلّك تطلبه فلا تجده، و اغتنم من استقرضك فى حال غناك ليجعل قضاءه لك فى يوم عسرتك و اعلم أنّ أمامك عقبة كئودا [٤] المخفّ فيها أحسن حالا من المثقل و البطىء عليها أقبح حالا من المسرع، و أنّ مهبطك بها لا محالة على جنّة أو على نار، فارتد لنفسك قبل نزولك [٥]، و وطّىء المنزل قبل حلولك، فليس بعد الموت مستعتب [٦]، و لا إلى الدّنيا منصرف
[١] هو طريق السعادة الأبدية.
[٢] الارتياد: الطلب، و حسنه: إتيانه من وجهه، و البلاغ - بالفتح - الكفاية
[٣] الفاقة: الفقر، و إذ أسعفت الفقراء بالمال كان أجر الاسعاف و ثوابه ذخيرة تنالها فى القيامة، فكأنهم حملوا عنك زادا يبلغك موطن سعادتك يؤدونه إليك وقت الحاجة، و هذا الكلام من أفصح ما قيل فى الحث على الصدقة
[٤] كئودا: صعبة المرتقى شاقة المصعد، و المخف - بضم فكسر -: الذى خفف حمله، و المثقل: بعكسه، و هو من أثقل ظهره بالأوزار
[٥] ابعث رائدا من طيبات الأعمال توقفك الثقة به على جودة المنزل
[٦] المستعتب و المنصرف: مصدران، و الاستعتاب: الاسترضاء، و لا انصراف إلى الدنيا بعد الموت حتى يمكن استرضاء اللّه بعد إغضابه باستئناف العمل