نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٣٤ - ٢٨ - و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية جوابا، و هو من محاسن الكتب
٢٨ - و من كتاب له عليه السّلام
إلى معاوية جوابا، و هو من محاسن الكتب
أمّا بعد، فقد أتانى كتابك تذكر فيه اصطفاء اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله لدينه، و تأييده إيّاه بمن أيّده من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدّهر منك عجبا [١] إذ طفقت تخبرنا ببلاء اللّه [تعالى] عندنا، و نعمته علينا فى نبيّنا، فكنت فى ذلك كناقل التّمر إلى هجر [٢] أو داعى مسدّده إلى النّضال، و زعمت أنّ أفضل النّاس فى الاسلام فلان و فلان! [فذكرت] أمرا إن تمّم اعتزلك كلّه [٣] و إن نقص لم يلحقك ثلمه، و ما أنت و الفاضل و المفضول، و السّائس و المسوس، و ما للطّلقاء و أبناء الطّلقاء، و التّمييز بين المهاجرين الأوّلين، و ترتيب درجاتهم، و تعريف طبقاتهم [٤]؟ هيهات! لقد حنّ قدح ليس منها [٥] و طفق يحكم فيها
[١] أخفى أمرا عجيبا ثم أظهره، و طفقت - بفتح فكسر -: أخذت. و عطف النعمة على البلاء عطف تفسير و ليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا
[٢] هجر: مدينة بالبحرين كثيرة النخيل، و المسدد: معلم رمى السهام، و النضال: المراماة، أى: كمن يدعو أستاذه فى فن الرمى إلى المناضلة، و هما مثلان لناقل الشىء إلى معدنه و المتعالم على معلمه.
[٣] إن صح ما ادعيت من فضلهم لم يكن لك حظ منه، فأنت عنه بمعزل، و ثلمه: عيبه
[٤] يريد: أى حقيقة تكون لك مع هؤلاء؟ أى: ليست لك ماهية تذكر بينهم، و الطلقاء: الذين أسروا بالحرب ثم أطلقوا، و كان منهم أبو سفيان و معاوية، و المهاجرون: من نصروا الدين فى ضعفه و لم يحاربوه
[٥] حن: صوت، و القدح - بالكسر -: السهم، و إذا كان سهم يخالف السهام كان له عند الرمى صوت يخالف أصواتها، و هو مثل يضرب لمن يفتخر بقوم ليس منهم. و أصل المثل لعمر بن الخطاب رضى اللّه عنه: قال له عقبة بن أبى معيط «أ أقتل من بين قريش؟» فأجابه «حن قدح ليس منها»