نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٣١ - ٢٧ - و من عهد له عليه السلام إلى محمد بن أبى بكر، رضى اللّه عنهما حين قلده مصر
فى الدّنيا [الذّلّ و] الخزى [١] و هو فى الآخرة أذلّ و أخزى، و إنّ أعظم الخيانة خيانة الأمّة، و أفظع الغشّ غشّ الأئمّة، و السّلام.
٢٧ - و من عهد له عليه السلام
إلى محمد بن أبى بكر، [رضى اللّه عنهما] حين قلده مصر
فاخفض لهم جناحك، و ألن لهم جانبك، و ابسط لهم وجهك، و آس [٢] بينهم فى اللّحظة و النّظرة، حتّى لا يطمع العظماء فى حيفك لهم، و لا ييأس الضّعفاء من عدلك عليهم، فإنّ اللّه تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصّغيرة من أعمالكم و الكبيرة، و الظّاهرة و المستورة: فإن يعذّب فأنتم أظلم، و إن يعف فهو أكرم.
و اعلموا، عباد اللّه، أنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدّنيا و آجل الآخرة، فشاركوا أهل الدّنيا فى دنياهم، و لم يشاركهم أهل الدّنيا فى آخرتهم: سكنوا الدّنيا بأفضل ما سكنت، و أكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدّنيا بما حظى به المترفون [٣] و أخذوا منها ما أخذ [ه] الجبابرة المتكبّرون، ثمّ انقلبوا
[١] جمع خزية - بفتح الخاء - أى: بلية، و الجمع بضم ففتح كنوبة و نوب.
[٢] آس: أمر من «آسى» بمد الهمزة - أى: سوى، يريد اجعل بعضهم أسوة بعض، أى: مستوين، و «حيفك لهم» أى: ظلمك لأجلهم. يطمعون فى ذلك إذا خصصتهم بشىء من الرعاية
[٣] المترفون: المنعمون، فان المتقى يؤدى حق اللّه و حقوق العباد و يتلذذ بما آتاه اللّه من النعمة، و ينفق ماله فيما يرفع شأنه و يعلى كلمته فيعيش سعيدا مترفا، كما عاش الجبابرة، ثم ينقلب بالزاد - و هو الأجر - الذى يبلغه سعادة الآخرة جزاء على رعاية حق نفسه و منفعتها الصحيحة فيما أوتى من الدنيا، و هو بهذا يكون زاهدا فى الدنيا و هى مغدقة عليه.