نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٤٠ - ٣٦٧
حكم على مكثر بها بالفاقة [١]، و أعين من غنى عنها بالرّاحة [٢]. و من راقه زبرجها أعقبت ناظريه كمها [٣]، و من استشعر الشّعف بها ملأت ضميره أشجانا [٤]. لهنّ رقص على سويداء قلبه [٥] همّ يشغله، و همّ يحزنه، كذلك حتّى يؤخذ بكظمه فيلقى بالفضاء [٦] منقطعا أبهراه، هيّنا على اللّه فناؤه، و على الاحوان إلقاؤه [٧]، [و] إنّما ينظر المؤمن إلى الدّنيا بعين الاعتبار و يقتات منها ببطن الاضطرار [٨]، و يسمع فيها بأذن المقت و الإبغاض [إن] قيل أثرى قيل أكدى [٩]!! و إن فرح له بالبقاء حزن له بالفناء! هذا و لم يأتهم
[١] المكثر بالدنيا حكم اللّه عليه بالفقر، لأنه كلما أكثر زاد طمعه و طلبه، فهو فى فقر دائم إلى ما يطمع فيه
[٢] غنى - كرضى -: استغنى: و غنى القلب عن الدنيا راحة تامة.
[٣] الزبرج - بكسر فسكون فكسر -: الزينة، و راقه: أعجبه و حسن فى عينه، و الكمه - محركة -: العمى، فمن نظر لزينتها بعين الاستحسان أعمت عينيه عن الحق
[٤] الشعف - بالعين محركة -: الولوع و شدة التعلق، و الأشجان: الأحزان
[٥] رقص - بالفتح و بالتحريك -: حركة واثب، و سويداء القلب: حبته، و «لهن» أى: للأشجان فهى تلعب بقلبه
[٦] الكظم - محركة -: مخرج النفس، أى: حتى يخنقه الموت فيطرح بالفضاء. و الأبهران: وريدا العنق، و انقطاعهما: كناية عن الهلاك
[٧] إلقاؤه: طرحه فى قبره
[٨] أى: يأخذ من القوت ما يكفى بطن المضطر، و هو ما يزيل الضرورة
[٩] بيان لحال الانسان فى الدنيا، فلا يقال «فلان أثرى» - أى: استغنى - حتى يسمع بعد مدة بأنه أكدى - أى: افتقر - وصف لقلب الحال