نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٤٣ - ٦٩ - و من كتاب له عليه السّلام إلى الحارث الهمدانى
من يفيل رأيه [١] و ينكر عمله، فانّ الصّاحب معتبر بصاحبه. و اسكن الأمصار العظام فإنّها جماع المسلمين، و احدر منازل الغفلة و الجفاء و قلّة الأعوان على طاعة اللّه، و اقصر رأيك على ما يعنيك، و إيّاك و مقاعد الأسواق فانّها محاضر الشّيطان و معاريض الفتن [٢]، و أكثر أن تنظر إلى من فضّلت عليه [٣]، فانّ ذلك من أبواب الشّكر، و لا تسافر فى يوم جمعة حتّى تشهد الصّلاة إلاّ فاصلا فى سبيل اللّه [٤] أو فى أمر تعذر به، و أطع اللّه فى جميع أمورك فإنّ طاعة اللّه فاضلة على ما سواها، و خادع نفسك فى العبادة، و ارفق بها و لا تقهرها، و خذ عفوها و نشاطها [٥] إلاّ ما كان مكتوبا عليك من الفريضة، فإنّه لا بدّ من قضائها و تعاهدها عند محلّها، و إيّاك أن ينزل بك الموت و أنت آبق من ربّك فى طلب الدّنيا [٦]، و إيّاك و مصاحبة الفسّاق
[١] «فال الرأى يفيل» أى: ضعف
[٢] المعاريض: جمع معراض - كمحراب - و هو سهم بلا ريش رقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حده، و الأسواق كذلك، لكثرة ما يمر على النظر فيها من مثيرات اللذات و الشهوات
[٣] أى: إلى من دونك ممن فضلك اللّه عليه
[٤] «فاصلا» أى: خارجا ذاهبا
[٥] «خذ عفوها» أى: وقت فراغها و ارتياحها إلى الطاعة. و أصله العفو بمعنى ما لا أثر فيه لأحد يملك، عبر به عن الوقت الذى لا شاغل للنفس فيه
[٦] «آبق» أى: هارب منه متحول عنه إلى طلب الدنيا