نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٨٨ - ١٤٧
قلبه لأوّل عارض من شبهة. ألا لا ذا و لا ذاك [١]! أو منهوما باللّذّة [٢] سلس القياد للشّهوة، أو مغرما بالجمع و الادّخار، ليسا من رعاة الدّين فى شىء، أقرب شىء شبها بهما الأنعام السّائمة! كذلك يموت العلم بموت حامليه
الّلهمّ بلى! لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة: إمّا ظاهرا مشهورا، أو خائفا مغمورا [٣] لئلاّ تبطل حجج اللّه و بيّناته. و كم ذا [٤] و أين [أولئك]؟؟ أولئك - و اللّه - الأقلّون عددا، و الأعظمون عند اللّه قدرا. يحفظ اللّه بهم حججه و بيّناته حتّى يودعوها نظراءهم، و يزرعوها فى قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، و باشروا روح اليقين، و استلانوا ما استوعره المترفون [٥]، و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون، و صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى. أولئك خلفاء اللّه فى أرضه، و الدّعاة إلى دينه
[١] لا يصلح لحمل العلم واحد منهما
[٢] المنهوم: المفرط فى شهوة الطعام، و سلس القياد: سهله، و المغرم بالجمع: المولع بكسب المال و اكتنازه. و هذان ليسا ممن يرعى الدين فى شىء، و «الأنعام» - أى: البهائم السائمة - أقرب شبها بهذين، فهما أحط درجة من راعية البهائم، لأنها لم تسقط عن منزلة أعدتها لها الفطرة أما هما فقد سقطا و اختارا الأدنى على الأعلى
[٣] غمره الظلم حتى غطاه فهو لا يظهر
[٤] استفهام عن عدد القائمين للّه بحجته و استقلال له. و قوله «و أين أولئك؟» استفهام عن أمكنتهم و تنبيه على خفائها
[٥] عدوا ما استخشنه المنعمون لينا، و هو الزهد.