نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٨٧ - ١٤٧
يا كميل: العلم خير من المال، العلم يحرسك و أنت تحرس المال [و] المال تنقصه النّفقة و العلم يزكو على الإنفاق، و صنيع المال يزول بزواله [١].
يا كميل [بن زياد، معرفة] العلم دين يدان به، به يكسب الانسان الطّاعة فى حياته و جميل الأحدوثة بعد وفاته، و العلم حاكم و المال محكوم عليه يا كميل، هلك خزّان الأموال و هم أحياء و العلماء باقون ما بقى الدّهر:
أعيانهم مفقودة، و أمثالهم فى القلوب موجودة. ها إنّ ههنا لعلما جمّا (و أشار بيده إلى صدره) لو أصبت له حملة [٢]! بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه [٣] مستعملا آلة الدّين للدّنيا، و مستظهرا بنعم اللّه على عباده، و بحججه على أوليائه، أو منقادا لحملة الحقّ [٤] لا بصيرة له فى أحنائه، ينقدح الشّكّ فى
[١] من كان صنيعا لك متحببا إليك لمالك زال ما تراه منه بزوال مالك، أما صنيع العلم فيبقى ما بقى العلم، فانما العالم فى قومه كالنبى فى أمته، فالعلم أشبه شىء بالدين - بكسر الدال - يوجب على المتدينين طاعة صاحبه فى حياته و الثناء عليه بعد موته
[٢] الحملة - بالتحريك -: جمع حامل، و «أصبت» بمعنى وجدت، أى: لو وجدت له حاملين لأبرزته و بثثته
[٣] اللقن - بفتح فكسر -: من يفهم بسرعة، إلا أن العلم لا يطبع أخلاقه على الفضائل، فهو يستعمل وسائل الدين لجلب الدنيا، و يستعين بنعم اللّه على إيذاء عباده
[٤] المنقاد لحاملى الحق: هو المقلد فى القول و العمل، و لا بصيرة له فى دقائق الحق و خفاياه، فذاك يسرع الشك إلى قلبه لأقل شبهة