نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٨٣ - ١٣٣
اكتسبوا فيها الرّحمة، و ربحوا فيها الجنّة، فمن ذا يذمّها و قد آذنت ببينها [١] و نادت بفراقها، و نعت نفسها و أهلها فمثّلت لهم ببلائها البلاء، و شوّقتهم بسرورها إلى السّرور؟؟!! راحت بعافية [٢]، و ابتكرت بفجيعة، ترغيبا و ترهيبا، و تخويفا و تحذيرا، فذمّها رجال غداة النّدامة [٣]، و حمدها آخرون يوم القيامة، ذكّرتهم الدّنيا فتذكّروا، و حدّثتهم فصدّقوا، و وعظتهم فاتّعظوا.
١٣٢ - و قال عليه السلام: إنّ للّه ملكا ينادى فى كلّ يوم: لدوا للموت [٤]، و اجمعوا للفناء، و ابنوا للخراب.
١٣٣ - و قال عليه السلام: الدّنيا دار ممرّ لا دار مقرّ، و النّاس فيها رجلان: رجل باع فيها نفسه فأوبقها [٥]، و رجل ابتاع نفسه فأعتقها.
[١] آذنت - بمد الهمزة - أى: أعلمت أهلها ببينها، أى: ببعدها و زوالها عنهم. و نعاه: إذا أخبر بفقده، و الدنيا أخبرت بفنائها و فناء أهلها بما ظهر من أحوالها
[٢] راح إليه: وافاه وقت العشى، أى: إنها تمشى بعافية، و «تبتكر» أى: تصبح بفجيعة، أى: بمصيبة فاجعة
[٣] أى: ذموها عند ما أصبحوا نادمين على ما فرطوا فيها، أما الذين حمدوها فهم الذين عملوا فجنوا ثمرة أعمالهم، ذكرتهم بحوادثها فانتبهوا لما يجب عليهم، و كأنها بتقلبها تحدثهم بما فيه العبرة و تحكى لهم ما به العظة
[٤] أمر من الولادة
[٥] باع نفسه لهواه و شهواته فأوبقها، أى: أهلكها، و «ابتاع نفسه» أى: اشتراها و خلصها من أسر الشهوات