نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٨٢ - ١٣١
المغترّ بغرورها المخدوع بأباطيلها! أ تغترّ بالدّنيا ثمّ تذمّها، أنت المتجرّم عليها [١] أم هى المتجرّمة عليك؟ متى استهوتك [٢] أم متى غرّتك؟ أ بمصارع آبائك من البلى [٣]؟ أم بمضاجع أمّهاتك تحت الثّرى؟! كم علّلت بكفّيك [٤]؟ و كم مرّضت بيديك؟ تبغى لهم الشّفاء [٥]، و تستوصف لهم الأطبّاء، [غداة لا يغنى عنهم دواؤك، و لا يجدى عليهم بكاؤك] لم ينفع أحدهم إشفاقك [٦] و لم تسعف بطلبتك، و لم تدفع عنه بقوّتك! [و] قد مثّلت لك به الدّنيا نفسك [٧]! و بمصرعه مصرعك. إنّ الدّنيا دار صدق لمن صدقها، و دار عافية لمن فهم عنها، و دار غنى لمن تزوّد منها [٨]، و دار موعظة لمن اتّعظ بها، مسجد أحبّاء اللّه، و مصلّى ملائكة اللّه و مهبط وحى اللّه، و متجر أولياء اللّه،
[١] تجرم عليه: ادعى عليه الجرم - بالضم - أى: الذنب
[٢] استهواه: ذهب بعقله و أذله فحيره.
[٣] البلى - بكسر الباء -: الفناء بالتحلل، و المصرع: مكان الانصراع، أى: السقوط، أى: مكان سقوط آبائك من الفناء، و الثرى: التراب
[٤] علل المريض: خدمه فى علته، كمرضه: خدمه فى مرضه
[٥] الضمير فى «لهم» يعود على الكثير المفهوم من كم. و استوصف الطبيب: طلب منه وصف الدواء بعد تشخيص الداء
[٦] إشفاقك: خوفك: و الطلبة - بالكسر، و بفتح فكسر - المطلوب، و أسعفه بمطلوبه: أعطاه إياه على ضرورة إليه.
[٧] أى: إن الدنيا جعلت الهالك قبلك مثالا لنفسك تقيسها عليه
[٨] أى: أخذ منها زاده للآخرة