نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٠١ - ١٠٣ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
الثّائر فى دمائنا كالحاكم فى حقّ نفسه [١]، و هو اللّه الّذى لا يعجزه من طلب و لا يفوته من هرب. فأقسم باللّه يا بنى أميّة عمّا قليل لتعرفنّها فى أيدى غيركم و فى دار عدوّكم. الاّ و إنّ أبصر الأبصار ما نفذ فى الخير طرفه، ألا إنّ أسمع الأسماع ما وعى التّذكير و قبله.
أيّها النّاس، استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متّعظ، و امتاحوا من صفو عين قد روّقت من الكدر [٢]
عباد اللّه، لا تركنوا إلى جهالتكم، و لا تنقادوا إلى أهوائكم، فإنّ النّازل بهذا المنزل [٣] نازل بشفا جرف هار، ينقل الرّدى على ظهره من موضع إلى موضع [٤] لرأى يحدثه بعد رأى، يريد أن يلصق ما لا يلتصق، و يقرّب ما لا يتقارب، فاللّه اللّه أن تشكوا إلى من لا يشكى شجوكم [٥].
[١] الطالب بدمائنا ينال ثأره حتما، كأنه هو القاضى بنفسه لنفسه، ليس هناك من يحكم عليه فيمانعه عن حقه
[٢] امتاحوا: استقوا، و انزعوا الماء لرى عطشكم، من عين صافية صفيت من الكدر، و هى عين علومه عليه السلام
[٣] منزل الركون إلى الجهالة و الانقياد للهوى، و شفا الشىء: حرفه، و الجرف - بضمتين -: ما تجرفته السيول، و أكلته من الأرض، و الهارى كالهائر: المتهدم، أو المشرف على الانهدام، أى: إنه بمكان التهور فى الهلكة
[٤] أى: إنّه إذا نقل حمل المهلكات فانما ينقله من موضع من ظهره إلى موضع آخر منه، فهو حامل لها دائما، و انما يتعب فى نقلها من أعلاه لوسطه و أسفله بآرائه و بدعه، فهو فى كل رأى يتنقل من ضلالة إلى ضلالة، حيث إن مبنى الكل على الجهالة و الهوى
[٥] يقال «أشكاه» إذا أزال مشكاه، و الشجو: الحاجة، يقول: إن ما تسوله لكم الجهالات و الأهواء من الحاجات يلزمكم أن تنصرفوا عن خيالها، و لا تشكوها إلى، فانى لا أتبع أهواءكم، و لا أقضى هذه الرغبات الفاسدة، و لا أستطيع أن أنقض برأيى ما أبرم لكم فى الشريعة الغراء