نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٩٧ - ٥٢ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
أمرّ منها ما كان حلوا، و كدر منها ما كان صفوا [١] فلم يبق منها إلاّ سملة كسملة الإداوة [٢] أو جرعة كجرعة المقلة، لو تمزّزها الصّديان لم ينقع [٣] فأزمعوا عباد اللّه الرّحيل عن هذه الدّار المقدور على أهلها الزّوال [٤] و لا يغلبنّكم فيها الأمل و لا يطولنّ عليكم الأمد، فو اللّه لو حننتم حنين الولّه العجال [٥] و دعوتم بهديل الحمام [٦] و جأرتم جؤار متبتّل الرّهبان [٧] و خرجتم إلى اللّه من الأموال و الأولاد، التماس القربة إليه فى ارتفاع درجة عنده، أو غفران سيّئة أحصتها كتبه، و حفظها رسله [٨]، لكان قليلا فيما أرجو لكم
نصر و ضرب - أى: تحوطهم بالموت، و فى رواية - و هى الصحيحة - «تحدو» بالواو بعد الدال، أى: تسوقهم بالموت إلى الهلاك، فكون الفقرة فى معنى سابقتها مؤكدة لها
[١] أمر الشىء: صار مرا، و كدر كدرا - كفرح فرحا - و كدر - بالضم كظرف - كدورة: تعكر، و تغير لونه، و اختلط بما لا يستساغ هو معه
[٢] السملة - محركة بقية الماء فى الحوض، و الاداوة: المطهرة، و هى إناء الماء الذى يتطهر به، و المقلة - بالفتح - حصاة يضعها المسافرون فى إناء، ثم يصبون الماء فيه ليغمرها، فيتناول كل منهم مقدار ما غمره، لا يزيد أحدهم عن الآخر فى نصيبه: يفعلون ذلك إذا قل الماء، و أرادوا قسمته بالسوية
[٣] التمزز: الامتصاص قليلا قليلا، و الصديان العطشان، و قوله «لم ينقع» أى: لم يرو
[٤] فأزمعوا الرحيل: أى اعزموا عليه، يقال: أزمع الأمر، و لا يقال أزمع عليه، و جوزه الفراء بمعنى عزم عليه و أجمع، و المراد من العزم على الرحيل مراعاته و العمل له
[٥] كل أنثى فقدت ولدها فهى واله و والهة، و العجال من الابل: التى فقدت ولدها
[٦] هديل الحمام: صوته فى بكائه لفقد إلفه
[٧] جأرتم: رفعتم أصواتكم، و الجؤار: الصوت المرتفع، أى: تضرعتم إلى اللّه بأرفع أصواتكم كما يفعل الراهب المتبتل، و المتبتل: المنقطع للعبادة.
[٨] المراد من الرسل هنا الملائكة الموكلون
(٧ - ن - ج - ١)