نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٨٩ - ٤٣ - وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ بَعْدَ إِرْسَالِهِ جَرِيرَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ إِلَى مُعَاوِيَةَ
الآخرة. ألا و إنّ الدّنيا قد ولّت حذّاء [١] فلم يبق منها إلاّ صبابة [٢] كصبابة الإناء اصطبّها صابّها، ألا و إنّ الآخرة قد أقبلت و لكلّ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، و لا تكونوا أبناء الدّنيا فإنّ كلّ ولد سيلحق بأمّه يوم القيامة، و إنّ اليوم عمل و لا حساب، و غدا حساب و لا عمل.
قال الشريف: أقول: الحذاء. السريعة، و من الناس من يرويه جذاء [٣]
٤٣ - و من كلام له عليه السّلام
و قد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير ابن عبد اللّه البجلى إلى معاوية
إنّ استعدادى لحرب أهل الشّام و جرير عندهم إغلاق للشّام، و صرف لأهله عن خير إن أرادوه. و لكن قد وقّتّ لجرير وقتا لا يقيم بعده إلاّ مخدوعا أو عاصيا. و الرّأى عندى مع الأناة فأرودوا و لا أكره لكم الإعداد [٤]
التدارك فى الأوقات المقبلة، و هذا من أقبح الصفات، أما قوة الأمل فى نجاح الأعمال الصالحة، ثقة باللّه و يقينا بعونه، فهى حياة كل فضيلة، و سائقة لكل مجد، و المحرومون منها آيسون من رحمة اللّه، تحسبهم أحياء و هم أموات لا يشعرون.
[١] الحذاء - بالتشديد - الماضية السريعة
[٢] الصبابة - بالضم - البقية من الماء و اللبن فى الاناء. و «اصطبها صابها» كقولك: أبقاها مبقيها، أو تركها تاركها
[٣] جذاء - بالجيم - أى: مقطوع خيرها و درها
[٤] يقول أمير المؤمنين إنه أرسل جريرا ليخابر معاوية و أهل الشام فى البيعة له، و الدخول فى طاعته، و لم ينقطع الأمل منهم، فاستعداده للحرب، و جمعه الجيوش، و سوقها إلى أرضهم، إغلاق لأبواب السلم على أهل الشام، و صرف لهم عن الخير إن كانوا يريدونه