نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٥٦ - ٢٣ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
أرهب بالضّرب، و إنّى لعلى يقين من ربّى، و غير شبهة من دينى.
٢٣ - و من خطبة له عليه السّلام
أمّا بعد فانّ الأمر ينزل من السّماء إلى الأرض كقطرات المطر: إلى كلّ نفس بما قسم لها من زيادة و نقصان، فإذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة فى أهل أو مال أو نفس [١] فلا تكوننّ له فتنة، فإنّ المرء المسلم ما لم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت و تغرى بها لئام النّاس، كان كالفالج الياسر [٢] الّذى ينتظر أوّل فوزة من قداحه توجب له المغنم، و يرفع بها عنه المغرم، و كذلك المرء المسلم البرىء من الخيانة ينتظر من اللّه إحدى الحسنيين إمّا داعى اللّه فما عند اللّه خير له، و إمّا رزق اللّه فإذا هو ذو أهل و مال، و معه دينه و حسبه، إنّ المال و البنين حرث الدّنيا، و العمل الصّالح حرث الآخرة، و قد
من النساء التى لا يبقى لها ولد، و هو دعاء عليهم بالموت، لعدم معرفتهم بأقدار أنفسهم، فالموت خير لهم من حياة جاهلية
[١] غفيرة: زيادة و كثرة
[٢] الفالج: الظافر، فلج يفلج - كنصر ينصر - ظفر و فاز. و منه المثل: من يأت الحكم وحده يفلج، و الياسر: الذى يلعب بقداح الميسر أى: المقامر. و فى الكلام تقديم و تأخير، و نسقه كالياسر الفالج كقوله تعالى (وَ غَرٰابِيبُ سُودٌ)، و حسنه ان اللفظتين صفتان و إن كانت إحداهما إنما تأتى بعد الأخرى إذا صاحبتها، يريد أن المسلم إذا لم يأت فعلا دنيئا يخجل لظهوره و ذكره، و يبعث لئام الناس على التكلم به، فقد فاز بشرف الدنيا و سعادة الآخرة، فهو شبيه بالمقامر الفائز فى لعبه لا ينتظر إلا فوزا. أى: أن المسلم إذا برىء من الدناءات لا ينتظر إلا إحدى الحسنيين: إما نعيم الآخرة، أو نعيم الدارين، فجدير به أن لا يأسف على فوت حظ من الدنيا. فانه إن