نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٥ - خطبة جامع الكتاب الشريف الرضي
الأبطال [١] و يعود به ينطف دما، و يقطر مهجا. و هو مع تلك الحال زاهد الزهاد، و بدل الأبدال [٢]. و هذه من فضائله العجيبة، و خصائصه اللطيفة، التى جمع بها بين الأضداد و ألف بين الأشتات [٣]. و كثيرا ما أذكر الإخوان بها، و أستخرج عجبهم منها، و هى موضع للعبرة بها، و الفكرة فيها و ربما جاء فى أثناء هذا الاختيار اللفظ المردّد، و المعنى المكرر. و العذر فى ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا: فربما اتفق الكلام المختار فى رواية فنقل على وجهه، ثم وجد بعد ذلك فى رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأول: إما بزيادة مختارة، أو بلفظ أحسن عبارة، فتقتضى الحال أن يعاد، استظهارا للاختيار، و غيرة على عقائل الكلام [٤] و ربما بعد العهد أيضا بما اختير أوّلا فأعيد بعضه سهوا أو نسيانا، لا قصدا و اعتمادا.
[١] يجدل الأبطال: يلقيهم على الجدالة كسحابة: و هى وجه الأرض و ينطف من نطف كنصر و ضرب، نطفا و تنطافا: سال، و المهج: جمع مهجة، و هى: دم القلب
[٢] الأبدال: قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم، إذا مات منهم واحد بدل اللّه مكانه آخر.
[٣] موضع العجب أن أهل الشجاعة و الاقدام و المغامرة و الجرأة يكونون فى العادة أقسياء فتاكا متمردين جبارين. و الغالب على أهل الزهد و أعداء الدنيا و هاجرى ملاذها المشتغلين بالوعظ و النصيحة و التذكير أن يكونوا ذوى رقة و لين و ضعف قلوب و خور طباع، و هاتان حالتان متضادتان فاجتماعهما فى أمير المؤمنين على كرم اللّه وجهه مما يوجب العجب: فكان كرم اللّه وجهه أشجع الناس و أعظمهم إراقة للدم، و أزهدهم و أبعدهم عن ملاذ الدنيا، و أكثرهم وعظا و تذكيرا و أشدهم اجتهادا فى العبادة، و كان أكرم الناس أخلاقا و أسفرهم وجها و أوفاهم هشاشة و بشاشة حتى عيب بالدعابة
[٤] عقائل الكلام: كرائمه. و عقيلة الحى: كريمته