نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٣٥ - ٥ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
خيفة على نفسه [١] أشفق من غلبة الجهّال و دول الضّلال. اليوم توافقنا على سبيل الحقّ و الباطل، من وثق بماء لم يظمأ
٥ - و من خطبة له عليه السّلام
لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و خاطبه العباس و أبو سفيان ابن حرب فى أن يبايعا له بالخلافة أيّها النّاس، شقّوا أمواج الفتن بسفن النّجاة، و عرّجوا عن طريق المنافرة و ضعوا تيجان المفاخرة [٢] أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح [٣]، هذا ماء آجن [٤] و لقمة يغصّ بها آكلها. و مجتنى الثّمرة لغير وقت إيناعها
[١] يتأسى بموسى عليه السلام، إذ رموه بالخيفة، و يفرق بين الواقع و بين ما يزعمون، فانه لا يخاف على حياته و لكنه يخاف من غلبة الباطل، كما كان من نبى اللّه موسى، و هو أحسن تفسير لقوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسىٰ) و أفضل تبرئة لنبى اللّه من الشك فى أمره
[٢] قلب قصد به المبالغة، و القصد ضعوا تيجان المفاخرة رءوسكم. و كأنه يقول: طأطئوا رءوسكم تواضعا، و لا ترفعوها بالمفاخرة إلى حيث تصيبها تيجانها. و يروى و ضعوا تيجان المفاخرة بدون لفظ «عن» و هو ظاهر، و عرج عن الطريق: مال عنه و تنكبه
[٣] المفلح أحد رجلين: إما ناهض للأمر بجناح، أى: بناصر و معين يصل بمعونته إلى ما نهض إليه، و إما مستسلم يريح الناس من المنازعة بلا طائل، و ذلك عند عدم الناصر. و هذا ينحو نحو قول عنترة لما قيل له: إنك أشجع العرب، فقال: لست بأشجعهم، و لكنى أقدم إذا كان الاقدام عزما، و أحجم إذا كان الاحجام حزما
[٤] الآجن: المتغير الطعم و اللون لا يستساغ، و الاشارة إلى الخلافة، أى: أن الامرة على الناس و الولاية على شئونهم مما لا يهنأ لصاحبه، بل ذلك أمر يشبه تناوله تناول الماء الآجن، و لا تحمد عواقبه: كاللقمة يغص بها آكلها فيموت بها