نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٣٤ - ٤ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
جنان لم يفارقه الخفقان [١] ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر، و أتوسّمكم بحلية المغترّين [٢] سترنى عنكم جلباب الدّين [٣] و بصّرنيكم صدق النّيّة، أقمت لكم على سنن الحقّ فى جوادّ المضلّة [٤] حيث تلتقون و لا دليل، و تحتفرون و لا تميهون [٥] اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان [٦] غرب رأى امرئ تخلّف عنّى [٧] ما شككت فى الحقّ مذ أريته، لم يوجس موسى عليه السّلام
[١] ربط جأشه رباطة بكسر الراء: اشتد قلبه، و مثله رباطة الجنان، أى: القلب، و هو دعاء للقلب الذى لازمه الخفقان و الاضطراب خوفا من اللّه بأن يثبت و يستمسك
[٢] ينتظر بهم الغدر: يترقب غدرهم ثم كان يتفرس فيهم الغرور و الغفلة و أنهم لا يميزون بين الحق و الباطل، و لهذا لا يبعد أن يجهلوا قدره فيتركوه إلى من ليس من الحق على مثل حاله، و الحلية هنا: الصفة
[٣] جلباب الدين: ما لبسوه من رسومه الظاهرة، أى: أن الذى عصمكم منى هو ما ظهرتم به من الدين و إن كان صدق نيتى قد بصرنى ببواطن أحوالكم و ما تكنه صدوركم، و صاحب القلب الطاهر تنفذ فراسته إلى سرائر النفوس فتستخرجها
[٤] المضلة - بكسر الضاد و فتحها - الأرض يضل سالكها، و للضلال طرق كثيرة، لأن كل ما جاز عن الحق فهو باطل و للحق طريق واحد مستقيم و هو الوسط بين طرق الضلال، لهذا قال: أقمت لكم على سنن الحق، و هو طريقه الواضح فيما بين جواد المضلة و طرقها المتشعبة حيث يلاقى بعضكم بعضا و كلكم تائهون، فلا فائدة فى التقائكم حيث لا يدل أحدكم صاحبه لعدم علمه بالدليل
[٥] تميهون: تجدون ماء، من أماهوا أركيتهم: أنبطوا ماءها: أو تستقون، من أماهوا دوابهم: سقوها
[٦] أراد من العجماء رموزه و إشاراته، فانها و إن كانت غامضة على من لا بصيرة لهم لكنها جلية ظاهرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد، لهذا سماها ذات البيان مع أنها عجماء
[٧] غرب: غاب، أى: لا رأى لمن تخلف عنى و لم يطعنى