نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٣٢ - ٣ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالشَّقْشَقِيَّةِ ٣
و قيام الحجّة بوجود النّاصر، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، و لا سغب مظلوم [١]، لألقيت حبلها على غاربها [٢]، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندى من عفطة عنز [٣].
قالوا: و قام إليه رجل من أهل السواد [٤] عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا، فأقبل ينظر فيه، قال له ابن عباس رضى اللّه عنهما:
يا أمير المؤمنين، لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت فقال: هيهات يابن عبّاس، تلك شقشقة [٥] هدرت ثمّ قرّت قال ابن عباس: فو اللّه ما أسفت على كلام قط كأسفى على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد
[١] و الناصر: الجيش الذى يستعين به على إلزام الخارجين بالدخول فى البيعة الصحيحة، و الكظة: ما يعترى الآكل من امتلاء البطن بالطعام، و المراد استئثار الظالم بالحقوق. و السغب: شدة الجوع، و المراد منه هضم حقوقه
[٢] الغارب: الكاهل، و الكلام تمثيل للترك و إرسال الأمر
[٣] عفطة العنز: ما تنثره من أنفها، تقول: عفطت تعفط من باب ضرب، غير أن أكثر ما يستعمل ذلك فى النعجة. و الأشهر فى العنز النفطة بالنون، يقال: ما له عافط و لا نافط، أى: نعجة و لا عنز. كما يقال: ما له ثاغية و لا راغية. و العفطة الحبقة أيضا، لكن الأليق بكلام أمير المؤمنين هو ما تقدم
[٤] السواد: العراق، و سمى سوادا لخضرته بالزرع و الأشجار، و العرب تسمى الأخضر أسود. قال اللّه تعالى (مُدْهٰامَّتٰانِ) يريد الخضرة، كما هو ظاهر
[٥] الشقشقة - بكسر فسكون فكسر - شىء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج، و صوت البعير بها عند إخراجها هدير، و نسبة الهدير إليها نسبة إلى الآلة، قال فى القاموس: و الخطبة الشقشقية العلوية، و هى هده