نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٠٧ - ١٠٦ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ مِنْ خُطَبِ الْمَلَاحِمِ
و لم يقدحوا بزناد العلوم الثّاقبة، فهم فى ذلك كالأنعام السّائمة و الصّخور القاسية قد انجابت السّرائر لأهل البصائر [١]، و وضحت محجّة الحقّ لخابطها [٢] و أسفرت السّاعة عن وجهها، و ظهرت العلامة لمتوسّمها. مالى أراكم أشباحا بلا أرواح؟ و أرواحا بلا أشباح. و نسّاكا بلا صلاح، و تجّارا بلا أرباح، و أيقاظا نوّما، و شهودا غيّبا، و ناظرة عمياء، و سامعة صمّاء، و ناطقة بكماء؟ رأيت ضلالة قد قامت على قطبها [٣] و تفرّقت بشعبها [٤] تكيلكم بصاعها [٥] و تخبطكم بباعها [٦] قائدها خارج عن الملّة، قائم على الضّلّة، فلا يبقى يومئذ منكم إلاّ ثفالة كثفالة القدر [٧]، أو نفاضة كنفاضة العكم [٨] تعرككم
[١] «انجابت» من قولهم «انجابت الناقة» إذا مدت عنقها للحلب، أى: إن السرائر خضعت لنور البصائر فهو يكشفها و يملكها، و أهل البصائر يصرفون السرائر إلى ما يريدون
[٢] خابطها: السائر عليها
[٣] «قامت على قطبها» تمثيل لانتظام أمرها، و استحكام قوتها
[٤] جمع شعبة، أى: انتشرت بفروعها
[٥] «تكيلكم» أى: تأخذكم للهلاك جملة كما يأخذ الكيال ما يكيله من الحب
[٦] «تخبطكم» من «خبط الشجرة» أى: ضربها بالعصى ليتناثر ورقها، أو من «خبط البعير بيده الأرض» أى: ضربها و عبر بالباع ليفيد استطالتها عليهم، و تناولها لقريبهم و بعيدهم
[٧] الثفالة - بالضم - كالثفل و الثافل: ما استقر تحت الشىء من كدورة، و ثفالة القدر: ما يبقى فى قعرها من عكارة. و المراد الأرذال و السفلة
[٨] النفاضة: ما يسقط: بالنفض، و العكم - بالكسر - العدل - بالكسر - أيضا و هو سفط تجعل فيه المرأة ذخيرتها. و المراد ما يبقى بعد تفريغه فى خلال نسجه فينفض لينظف