نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٥٥ - ٨٧ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
هذه الفرق على اختلاف حججها فى دينها! لا يقتصّون أثر نبيّ، و لا يقتدون بعمل وصىّ، و لا يؤمنون بغيب، و لا يعفّون عن عيب [١] يعملون فى الشّبهات و يسيرون فى الشّهوات، المعروف عندهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما أنكروا [٢]، مفزعهم فى المعضلات إلى أنفسهم، و تعويلهم فى المهمّات على آرائهم، كأنّ كلّ امرىء منهم إمام نفسه: قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات و أسباب محكمات
٨٧ - و من خطبة له عليه السّلام
أرسله على حين فترة من الرّسل، و طول هجعة من الأمم، و اعتزام من الفتن [٣]، و انتشار من الأمور، و تلظّ من الحروب [٤]، و الدّنيا كاسفة النّور ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها [٥]، و إياس من ثمرها، و اغورار
[١] و لا يعفون - بكسر العين و تشديد الفاء - من «عففت عن الشىء» إذا كففت عنه
[٢] أى: يستحسنون ما بدا لهم استحسانه، و يستقبحون ما خطر لهم قبحه بدون رجوع إلى دليل بين. أو شريعة واضحة: يثق كل منهم بخواطر نفسه، كأنه أخذ منها بالعروة الوثقى، على ما بها من جهل و نقص
[٣] الفترة بين الرسل: انقطاع الرسالة و الوحى. و الهجعة - بفتح فسكون - النومة ليلا، و الهجوع و التهجاع بفتح التاء - كذلك، فأما الهجعة - بكسر فسكون - فهى الهيئة كالجلسة من الجلوس «اعتزام» من قولهم «اعتزم الفرس» إذا مر جامحا، أى: و غلبة من الفتن. و يروى «اعترام» بالراء المهملة من العرام، و هو الشرة، و يقال: اعترمت الفرس، إذا سقطت و مالت، و يروى «اعتراض» بالضاد المعجمة بدل الميم
[٤] و «تلظ» أى: تلهب و فى التنزيل (فَأَنْذَرْتُكُمْ نٰاراً تَلَظّٰى)
[٥] هذا و ما بعده تمثيل لتغير الدنيا، و إشرافها على الزوال، و يأس الناس من التمتع بها أيام الجاهلية. و اغورار الماء: ذهابه، و يروى «إعوار مائها» بالمهملة - من قولهم «فلاة عوراء» أى: لا ماء بها