نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١٥ - ٦٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَمِّ أَهْلِ الْعِرَاقِ
٦٩ - و من خطبة له عليه السّلام
فى ذم أهل العراق
أمّا بعد يا أهل العراق فإنّما أنتم كالمرأة الحامل! حملت فلمّا أتمّت أملصت [١] و مات قيّمها، و طال تأيّمها، و ورثها أبعدها [٢] أما و اللّه ما أتيتكم اختيارا، و لكن جئت إليكم سوقا [٣] و لكنّى بلغنى أنّكم تقولون: علىّ يكذب! قاتلكم اللّه، فعلى من الكذب؟ أ على اللّه؟ فأنا أوّل من آمن به! أم على نبيّه؟ فأنا أوّل من صدّقه [٤]. كلاّ و اللّه، و لكنّها لهجة غبتم عنها [٥]
[١] أملصت: ألقت ولدها ميتا
[٢] قيمها: زوجها، و تأيمها: خلوها من الأزواج، يريد انهم لما شارفوا استئصال أهل الشام و بدت لهم علامات الظفر بهم جنحوا إلى السلم إجابة لطلاب التحكيم، فكان مثلهم مثل المرأة الحامل، لما أتمت أشهر حملها، ألقت ولدها بغير الدافع الطبيعى، بل بالحادث العارضى كالضربة و السقطة، و قلما تلقيه كذلك إلا هالكا، و لم يكتف فى تمثيل خيفتهم فى ذلك حتى قال: و مات مع هذه الحالة زوجها، و طال ذلها بفقدها من يقوم عليها، حتى إذا هلكت عن غير ولد ورثها الأباعد السافلون فى درجة القرابة ممن لا يلتفت إلى نسبه
[٣] يقسم أنه لم يأت العراق مستنصرا بأهله اختيارا لتفضيله إياهم على من سواهم، و إنما سيق إليهم بسائق الضرورة، فانه لو لا وقعة الجمل لم يفارق المدينة المنورة، و يروى هذا الكلام بعبارة أخرى و هى «ما أتيتكم اختيارا و لا جئت إليكم شوقا» بالشين المعجمة
[٤] كان كرم اللّه وجهه كثيرا ما يخبرهم بما لا يعرفون، و يعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، فيقول المنافقون من أصحابه: إنه يكذب! كما كان المنافقون يقولون مثل ذلك للنبى صلّى اللّه عليه و سلم، فهو يرد عليهم قولهم بأنه أول من آمن باللّه و صدق برسوله فكيف يجترئ على الكذب على اللّه أو على رسوله مع قوة إيمانه و كمال يقينه؟ و لا يجتمع كذب و إيمان صحيح!
[٥] «لهجة غبتم عنها» أى: ضرب من الكلام أنتم فى