نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٠٠ - ٥٦ - وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
الحرب يوما إلاّ و أنا أطمع أن تلحق بى طائفة فتهتدى بى، و تعشو إلى ضوئى، و ذلك أحبّ إلىّ من أن أقتلها على ضلالها، و إن كانت تبوء بآثامها.
٥٦ - و من كلام له عليه السّلام
و لقد كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و أعمامنا: ما يزيدنا ذلك إلاّ إيمانا و تسليما و مضيّا على اللّقم [١] و صبرا على مضض الألم، و جدّا فى جهاد العدوّ. و لقد كان الرّجل منّا و الآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما [٢] أيّهما يسقى صاحبه كأس المنون: فمرّة لنا من عدوّنا، و مرّة لعدوّنا منّا، فلمّا رأى اللّه صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت [٣] و أنزل علينا النّصر، حتّى استقرّ الإسلام ملقيا جرانه [٤]، و متبوّئا
و اختلفوا فى سبب التريث، فقال بعضهم: كراهة الموت، و ذهب بعضهم إلى الشك فى جواز قتال أهل الشام، فأجابهم: أما الموت فلم يكن ليبالى به، و أما الشك فلا موضع له، و إنما يرجو بدفع الحرب أن ينحازوا إليه بلا قتال، فان ذلك أحب إليه من القتال على الضلال، و إن كان الاثم عليهم، و تبوء بآثامها: ترجع بها، و تعشو إلى ضوئه: تستدل عليه - و إن كان ببصر ضعيف - فى ظلام الفتن فتهتدى إليه. عشا إلى النار و عشاها - من باب نصر - عشوا - بفتح فسكون كقول - و عشو - بضمتين مثل سمو - أى: أبصرها ليلا ببصر ضعيف فقصدها مستضيئا راجيا الهدى أو القرى
[١] اللقم - بالتحريك و بوزن صرد أيضا -: معظم الطريق أو جادته، و يقال: عليك بلقم الطريق فالزمه، و يقال أيضا: لقم الطريق - من باب نصر - إذا سد فمه. و مضض الألم: لذعته و برحاؤه
[٢] يتخالسان: كل منهما يطلب اختلاس روح الآخر، و التصاول: أن يحمل كل قرن على قرنه
[٣] الكبت: الذل و الخذلان، و فعله من باب ضرب
[٤] جران البعير - بالكسر - مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره