فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٩٩ - إعادة النظـر فـي القياس ( الفقهي ) الاُستاذ الشيخ حسن الجواهري
رابعـا ـ وأمّا قوله : « قد يرى حكمين مختلفين متباينين في موردين لا تشعر بأنّ أحدهما يختلف عن الآخر بحسب وجدانك العملي أو الواقعي في أي شأن من الشؤون » (٣٣).
فتوضيحه: أنّ شأن الدين يكون باتباع القرآن والسنّة ، فإذا كانت السنّة تفرِّق بين شيئين لا تشعر بأنّ أحدهما يختلف عن الآخر فليس لنا إلاّ اتّباع السنّة ، فقد ورد مثلاً المخالفة بين المتماثلات ؛ كتفضيل ليلة القدر والأشهر الحرم والجمعة على غيرها من الأزمنة ، وتفضيل مكّة والمدينة وكربلاء على غيرها من الأمكنة ، كما قد ورد من الشارع الجمع بين المتخالفات ؛ حيث جعل التراب في التيمّم طهورا كالماء عند عدم الماء أو عند المرض ، مع أنّ الماء ينظّف الأعضاء بخلاف التراب .
كما قد أوجد الشارع أحكاما لا مجال للعقل فيها ؛ من قبيل أنّه أوجب في صحّة الطلاق حضور شاهدين يسمعان صيغة الطلاق ، دون الزواج ، وأوجب قطع اليد في سرقة النصاب ولم يوجبه في غصب المال الكثير ، وأوجب الجلد على من قذف غيره بالزنا ولم يوجبه على من قذف غيره بالكفر مع أنّ الكفر أشدّ وأعظم ، وشرط في الشهادة على الزنا أربعة شهود عدول واكتفى في الشهادة على القتل باثنين مع كون القتل أغلظ من الزنا ، وأوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة ، مع أنّ كلاًّ منهما عبادة ، وأوجب القصر في الصلاة الرباعية دون غيرها مع أنّ الصلوات عبادة ، وكذا اختلاف أحكام الشك في أعداد الصلاة الرباعية دون غيرها ، وأوجب الغسل من نجاسة البول بالماء القليل مرّتين دون الدم ، وأوجب لتطهير بعض النجاسات كيفيّة مختلفة عن غيرها كما في ولوغ الكلب أو تطهير آنية الخمر ، وغير هذه الموارد ممّا يجده المتتبع كثيرا في طيّات كتب الفقه .
وهذه الموارد وإن قيل إنّها قليلة بالنسبة إلى موارد الفقه ، إلاّ أنّها تكون
(٣٣)انظر : الهامش السابق .