المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢
أحاديثنا المرويّة عن أهل العصمة و الطهارة و أهل بيت الوحي و السفارة- صلوات اللّه عليهم أجمعين- ببيان أحسن و طريق أتقن.
و كان فيه من الحكايات العجيبة و القصص الغريبة المرويّة عن الصوفيّة ما لا يتلقّاه أكثر العقلاء بالقبول لبعدها عن ظواهر العقول مع قلّة فائدتها و نزارة عائدتها[١]إلى غير ذلك من الأمور الّتي كان يشمئزّ عنها قلوب أهل الحقّ من الفرقة الناجية الإماميّة و ينبو [٢]بسببها عن مطالعته و الانتفاع به طباع أكثرهم.
فرأيت أن أهذّبه تهذيبا يزيل عنه ما فيه من الوصمة و العيب، و أبني مطالبه كلّها على أصول أصيلة محكمة لا يتطرّق إليها شكّ و لا ريب، و أضيف إليها في بعض الأبواب ما ورد عن أهل البيت عليهم السّلام و شيعتهم في ذلك الباب من الأسرار و الحكم المختصّة بهم عليهم السّلام و أختصر بعض مباحثه بنظم فرائده و حذف زوائده لكي يزيد فيه رغبة متناوليه، و أفصّل أبوابه الطويلة بفصول قصيرة[٣]لئلاّ يملّ متعاطيه من دون تصرّف في ترتيب أبوابه و فصوله بتأخير ما قدّم أو تقديم ما أخّر، و لا في تقرير ألفاظه و عباراته مهما تيسّر، لأنّها كانت في غاية الجودة و الإحكام، و نهاية المتانة و الإبرام، و مثل هذا الكتاب ممّا لا بدّ منه للأنام، ينتفع بتذكّر الخواصّ و العوامّ، لا سيّما في هذه الأعصار و الأيّام الّتي عمّت فيها الجهالة، و فشت الضلالة، و صار الأمر كما قاله أبو حامد- رحمه اللّه- في زمانه: «إنّ الدّاء عمّ الجمّ الغفير، بل شمل الجماهير من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر و الجهل بأنّ الأمر إدّ[٤]، و الخطب جدّ، و الآخرة مقبلة، و الدّنيا مدبرة، و الأجل قريب، و السفر بعيد، و الزّاد طفيف[٥]، و الخطر عظيم، و الطريق سدّ، و ما سوى الخالص لوجه اللّه من العلم و العمل عند الناقد البصير ردّ، و سلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل و لا رفيق صعب، متعب، مكدّ،
[١] أي قلة ثمرتها.
[٢] في النهاية «نبا عنه بصره ينبو أي تجافى و لم ينظر إليه، و نبا به منزله إذا لم يوافقه، و نبا حد السيف إذا لم يقطع كأنه حقرهم و لم يرفع بهم رأسا».
[٣] في بعض النسخ [بفصول فيه].
[٤] الإد- بالكسر و الشد-: الأمر الفظيع.
[٥] الطفيف: القليل.